الجمعة 13 ربيع الأول / 30 أكتوبر 2020
 / 
02:01 ص بتوقيت الدوحة

عرب يستجدون نتنياهو.. ماذا يريدون؟

ياسر الزعاترة
لم تتوقّف التصريحات العربية الرسمية المتعلقة بضمّ الكيان الصهيوني أجزاءً من الضفة الغربية وغور الأردن، خلال الأسابيع الأخيرة.
قليل منها كان يأتي في سياق من التحذير أو التهديد بخطوات مقابلة، كما هو حال التصريحات الصادرة من الأردن، الذي يمكن القول إنه الأكثر تضرّراً من المشروع؛ لا أعني مشروع الضمّ وحسب، بل مشروع تصفية القضية، الذي يحتّم عليه إعادة النظر في استراتيجيته. أما المواقف الأخرى، فقد تميّز كثير منها بالاستجداء، بخاصة من معسكر التطبيع.
جاء مشروع الضمّ الصهيوني بعد موجة من موجات التطبيع غير المسبوق، بجانب تنسيق أمني مشابه من دول أخرى، كما هو الحال مع مصر، وكل ذلك بجانب خطاب إعلامي عجيب في التبشير بالعلاقة مع الكيان؛ ما كان له أن يمرّ على ذلك النحو لولا مباركة رسمية، حتى في الدول التي لم تبادر إلى تطبيع علني. ولنا أن نتذكّر في السياق أيضاً تلك المواقف المتعاطفة عملياً مع مشروع ترامب «صفقة القرن»، بجانب «ورشة البحرين» التي لا يمكن الفصل بينها وبين الصفقة برمّتها، والتي حضرتها عدّة دول عربية.
ولا شكّ أن المواقف الدولية الرافضة لمشروع الضمّ الصهيوني قد عزّزت مستوى الحرج لدى أنظمة التطبيع العربية؛ إذ لم يكن مقبولاً أن ترفض المشروع دول غربية عُرفت بانحيازها للكيان، ثم تتلكأ دول عربية في رفضه.
من أجل ذلك رأينا حشداً من التصريحات الرافضة لمشروع الضمّ، بعضها كان بلهجة الاستجداء، كما هو حال مقال السفير الإماراتي في واشنطن في «يديعوت» الصهيونية، ومقال لمستشار سعودي سابق في «هآرتس».
المصيبة الكبرى في كل هذا الخطاب، وفي مقدّمته الخطاب الرسمي الفلسطيني الصادر من رام الله، هي تعاطيه مع مشروع الضمّ وكأنه أصل المشكلة، أو المشكلة الوحيدة التي تستحقّ الردود، وأنه لو تمّ التراجع عنه فإن كل شيء سيغدو عادياً!
إنهم يتجاهلون أن المشروع قد جاء بعد طرح «صفقة القرن»، بما انطوت عليه من مخطط لتصفية القضية الفلسطينية، وأنه جاء بعد اعتراف واشنطن بالقدس عاصمةً للكيان، وبعد شطبها قضية اللاجئين، وبعد اعترافها بشرعية الاستيطان، وبضمّ الجولان.. فهل بقي بعد ذلك مجال لما يُسمّى «حل الدولتين» الذي يوجعون به رؤوسنا كل يوم؟! وهل كان هذا المشروع موجوداً في الأصل قبل ذلك، وفق شروط الدولة الفلسطينية المعروفة على 22 % من أرض فلسطين التاريخية، بما فيها القدس الشرقية؟!
منذ قمّة كامب ديفيد عام 2000، اتضح سقف المطالب الصهيونية؛ لكن مرحلة نتنياهو جاءت لتفضح حقيقة المشروع، وأن المعروض على الفلسطينيين لا يعدو العيش في «كانتونات» معزولة في الضفة الغربية ترتبط بالجسور والأنفاق والطرق الالتفافية، من دون سيادة ولا قدس ولا لاجئين، بل حتى دون عودة الشتات الفلسطيني إلى تلك «الكانتونات»؛ إلا بموافقة الاحتلال.
ما كان لافتاً في الأسابيع الأخيرة هو تصاعد موجة التطبيع، ليس لجهة الممارسة، كما هو حال الطائرة الإماراتية في مطار بن غوريون؛ بل التأكيد على أهمية العلاقة، وهذا يعني أن مشروع الضمّ -الذي سيُنفّذ بالتدريج على الأرجح- لن يغيّر المسار السابق ممثلاً في تصعيد موجة التطبيع، دون تغيير في منظومة السلطة الفلسطينية، أو مع بعض تحسينات، وليغدو المؤقت دائماً والصراع مجرّد نزاع. وهو مسار لا يحتاج إلى توقيعات، بل إلى تطبيع يلغي القضية من الأجندة العربية والدولية. هنا تبرز المعضلة الأكبر، ممثلة في قيادة رام الله و»القبيلة الحزبية» التي تغطّيها، أعني حركة «فتح»، وذلك بوصفها المسؤولة عن هذا التردّي الراهن، فلا يمكن أن نتوقّع من الأنظمة العربية الكثير من دون تغيير عباس لمساره. ولمّا كان أمره كذلك، فإن تجاوزه من قِبل الجماهير والفصائل -سواء التحقت «فتح» أم لا- صار أكثر من ضرورة لوقف مشروع التصفية.
إنه واجب الوقت الذي لا يجب أن يتقدّم عليه شيء، فالانتفاضة الشاملة هي الخيار الوحيد المتاح لإفشال مخطّط التصفية. وحين تبدأ، ستضطر الأنظمة العربية إلى تغيير مسارها؛ تماماً كما فعلت من قبل بعد انتفاضة الأقصى، التي اندلعت بينما كانت تلك الأنظمة تتسابق في مضمار التطبيع.