الجمعة 11 رمضان / 23 أبريل 2021
 / 
04:36 م بتوقيت الدوحة

هل فهم المالكي الرسالة؟

إياد الدليمي
يراقب العالم باهتمام ما يجري في العراق منذ ما يقارب الشهر، بعد أن خرجت عدة محافظات عراقية في تظاهرات حاشدة لم يسبق أن سجل التاريخ نظيرا لها، احتجاجا على سياسات حكومة نوري المالكي، حراك يفضل البعض أن يصفه بأنه حراك سني، بينما يؤكد الآخرون على أنه حراك عراقي، وإن ارتدى لبوسا مناطقيا أو حتى مذهبيا. لا يضر الحراك العراقي أنه خرج من مناطق ذات صبغة طائفية معينة، ولا يصر هذا الحراك أنه ما زال غير قادر على تحريك مناطق الجنوب العراقي «الشيعية»، فهو في النهاية حراك يقوم به عراقيون يرون أن هذه الحكومة تقود البلاد والعباد إلى مهاوي الردى والانكسار والتبعية لإيران، وبالتالي فإنه يبقى حراكا عراقيا، يسعى لإخراج البلاد من عزلتها وترديها الخدمي والأمني، ناهيك عن ملفات الفساد والتبعية التي باتت أوضح الشمس في رابعة النهار. وإذا كان لهذا الحراك مطالب، بعضها سياسي وبعضها الآخر خدمي وثالث اجتماعي، فإن عنوانه الأبرز سيبقى في كيفية إعادة الحياة لشرايين بلد عريق وكبير وثري ومهم مثل العراق، بعد أن أماته حكومات أقل ما يقال عنها إنها لم تتصرف ولو بنسبة الواحد في المئة بوطنية. أبرز ما يميز حراك العراقيين اليوم أنه حراك مظلومين، حراك شعب تمرس على قتال قوات الاحتلال الأميركي طيلة أعوام تسعة من عمره، وأيضاً، هو حراك ينتمي إلى مناطق ومدن أخذت مداها المقاوم في ذاكرة التاريخ، فهنا الفلوجة، وما أدراك ما الفلوجة, وهناك الرمادي ومعهما سامراء والموصل وتكريت وشطر كبير من بغداد وديالي وكركوك، وكلها مدن لها بصمة واضحة في سجل المقاومة الخالد. لا يريد المنتفضون في عراق اليوم أن يعيدوا عجلة التاريخ إلى الوراء، أو يعيدوا إنتاج تاريخ انتهى، كما يحب أن يروج لذلك أنصار المالكي من أن هؤلاء المنتفضين يريدون إعادة البعث إلى السلطة، فهؤلاء مثلهم مثل غالبية الشعب العراقي، عانوا الأمرين من الحكم الشمولي السابق، كما أنهم لا يريدون انتزاع الحكم ممن سلبوه بقوة الاحتلال الأميركي، حتى وإن زينوا سلبهم لهذه السلطة بصناديق الاقتراع أو شعارات الديمقراطية، كل ما يريدونه هو إعادة الحياة لبلدهم، الذي يرون أنه يحتضر في ظل سياسات لا تمت بصلة إلى أي مكون عراقي، بقدر ما هي امتداد لسياسات إيرانية توسعية، وجدت موافقة لها من سفارة واشنطن في بغداد. الحراك العراقي يسير بخطى واثقة، ولعل ما يسجل له أنه جمعة بعد أخرى يتسع، وتكبر حجم الاحتجاجات وتزداد أعداد المدن التي تنضم لقائمة المدن المنتفضة، كما أنه سحب البساط مبكرا من تحت أقدام المالكي عندما حاول أن يوهم العراقيين والعالم بأن هذا الحراك سني، حيث توافدت أعداد كبيرة من شيوخ عشائر جنوبية إلى المدن المنتفضة معلنة عن تأييدها للمطالب المرفوعة. يحسب للحراك العراقي أنه حراك واعٍ منضبط، فلم تسجل أية انتهاكات أمنية أو سياسية أو مذهبية لهذا الحراك، وبقي حراكا عراقيا خالصا، كما أنه استطاع أن يحصل على إجماع عراقي غير مسبوق منذ الاحتلال الأميركي، عندما فشل المالكي بأموال الدولة العراقية وإمكاناتها أن يحشد ولو عشر ما تحشد في المدن المنتفضة، بل انقلبت المظاهرات المؤيدة له، إلى أضحوكة. القائمون على الحراك العراقي اليوم يعرفون ما يريدون، ومخطئ من يعتقد أنهم لا يعرفون ماذا يريدون، وأن مطالبهم غير واضحة، كما يدعي أنصار المالكي، فلقد أعلنوها واضحة صريحة، أنهم يريدون أن يغيروا العملية السياسية برمتها، أن يجلس فرقاء وشركاء الوطن إلى طاولة حوار واحدة، يتم خلالها وضع سياسة جديدة للعراق، سياسة لا تقصي ولا تهمش أحدا، سياسة لا تقوم على نظام محاصصة مقيت، ولا تقوم على استقطابات مذهبية أو عرقية يمكن أن تقسم العراق إذا ما استمرت. مسيرة الحراك العراقي تسير بثبات، فبعد المظاهرات المليونية الحاشدة التي أوصلت رسالة واضحة إلى المالكي بأن أهل السنة في العراق ليسوا أقلية، يأتي الدور الآن إلى انضمام مدن شيعية إلى هذا الحراك، فرغم عمليات القمع والسطوة الأمنية التي تمارسها قوات المالكي على تلك المدن، يفترض أن تنضم البصرة غدا الجمعة إلى الحراك العراقي، وبالتالي فإن النار المشتعلة في نفوس العراقيين على الظلم الذي تمارسه حكومة المالكي ضدهم، تنتشر، وتتسع رقعتها. وإذا ما كان المالكي قد بدأ يجرب بعض أساليب قواته الأمنية على المتظاهرين من خلال الاعتقالات وحتى عمليات منع وصول المتظاهرين إلى أماكن الاعتصام والتظاهر ناهيك عن عمليات الاغتيال والتفجير التي شهدت الأسبوع المنصرم تصاعدا ملحوظا، فإنه سيجد صعوبة جدية في اللجوء إلى القوة لفض الاعتصامات والتظاهرات. المالكي جرب قبل أيام استخدام قواته ضد مجاميع مسلحة ما زالت تنتشر هنا وهناك في الأنبار وسامراء، وتعرف على كيفية أداء تلك المجاميع المسلحة، وهو على ما يبدو، ما دفعه إلى مزيد من التنازلات استرضاء للمتظاهرين. كل تنازلات المالكي لن تجدي نفعا، عليه أن يفهم الرسالة بشكل جيد، فالذين خرجوا يريدون أن يعيدوا الاعتبار للعراق، كل العراق، اعتبار لا يمكن إعادته في ظل عملية سياسية متهالكة تقوم على الإقصاء والتهميش، ولا في ظل حكومة تجد أن أولى أولوياتها إرضاء إيران ومعاداة المحيط العربي. ترى هل فهم المالكي الرسالة أم أنه بحاجة إلى مزيد من الوقت؟