الإثنين 5 جمادى الآخرة / 18 يناير 2021
 / 
04:39 م بتوقيت الدوحة

الأسد.. الدخول من باب الخروج

إياد الدليمي
تفرز الأحداث الجارية في عدد من البلدان العربية قناعات تتحول بمرور الأيام إلى بديهيات في ظل الإصرار القمعي للأنظمة في التعامل مع شعوبها الطامحة إلى الحرية ونيل الاستقلال الثاني، بل إن هذه الأنظمة تزيدك قناعة أنها هي السبب الأول والأوحد لأزماتها وليس معارضوها أو المتآمرون عليها، فبدلا من أن تخرج تلك الأنظمة من باب الخروج للأزمات المستفحلة التي خلقتها، تصر على الدخول إلى الأزمة وتعقدها. ولعل الخطاب الأخير للرئيس السوري بشار الأسد خير مثال على ذلك، فبدلا من أن يضع آلية للخروج من الأزمة، نجد أن الخطاب أدخل النظام وسوريا بشعبها في أزمة أعقد وأشد، حتى صار خطابه المنتظر بعد نحو شهر ونصف من آخر خطاب له أمام حكومة عادل سفر، الفرصة الذهبية لمعارضيه ومناوئيه لحشد الشارع ضده وضد نظام البعث الحاكم. وليس الأسد وحده من فعل ذلك، فلقد سبقه زين العابدين بن علي في تونس، ومن بعده حسني مبارك في مصر، وأيضا صاحب «فاتكم القطار» في اليمن، ومن قبله معمر القذافي في ليبيا الشهير بـ «زنقة زنقة» فبدلا من أن يتواضعوا لشعوبهم ويقروا بأن هناك أزمة داخلية تهدد ليس كيان النظام وحسب وإنما البلد بمجمله، تراهم يكابرون ويصرون على نظرية المؤامرة ويلقون بالتهم جزافاً على المتظاهرين والمحتجين، ليدخلوا إلى الأزمة من حيث كان يجب أن يخرجوا بها ومنها. ربما كان النظام السوري من أكثر الأنظمة القادرة على التعامل مع الاحتجاجات والخروج من الأزمة بسرعة لو أنه أحسن التصرف معها منذ البداية واختار باب الخروج منها سريعا، غير أن الاستعلائية والقمعية والنظرة الفوقية للشعب جعلته يغوص في مستنقعها أكثر فأكثر، حتى وصل إلى نقطة اللاعودة وصار الحديث عن أي إصلاح لا يجد له مكانا أو آذانا صاغية لدى الشعب. يقول المثل القديم إن الصبار لا يثمر ورداً، وكذلك هي الأنظمة التي جاءت في ليلة ظلماء افتقد وغاب فيها البدر، لتتربع على رقاب الشعوب، هذه الأنظمة يكون من الغباء أن تتوقع منها أية خطوات جادة في الإصلاح، فهي لا ترى سوى مصالحها وأجنداتها الخاصة ولا تنظر للشعب سوى مجموعة من الخدم لتلك المصالح، بل وتحول البلد إلى مزرعة خاصة لا يمكن لأحد أن يتجرأ عليها، ولكم في «سوريا الأسد» خير مثال. الأزمة صنعها النظام منذ البداية، منذ أن قرر أن يعتقل أطفال درعا ويعذبهم لأنهم وبطريقة طفولية، كتبوا على حائط المدرسة «الشعب يريد إسقاط النظام» متأثرين بالثورات العربية التي وصل ربيعها إلى دمشق مبكرا، وبدلا من أن يعالج الخطأ راح يكابر ويعاند ويلقي بالتهم هنا وهناك، مستخدما آلة القمع الوحشية، معتقدا أن عالم 2011 هو ذاته العالم الذي كان موجودا في 1982 عندما ارتكب الأسد الأب واحدة من أكثر جرائم التاريخ وحشية في حماة دون أن يتحرك العالم الذي كان ما زال بعيدا عن ثورة الاتصالات التي حولته إلى بيت واحد من عدة غرف. وإذا كان هناك من حسنة لهذا الخطاب الأسدي الأخير، فهي الاعتراف وعلى لسان الرئيس بأن الـ64 ألف مجرم كما يقول لم يكونوا مسلحين، وأن المسلحين هم الفئة الثالثة من المتظاهرين وفقا للتصنيف الأسدي، وهي فئة اعترف النظام أنها قليلة لها أجندات طائفية. والسؤال هنا يا سيادة الرئيس: إذا كانت الفئة القليلة هي من تحمل السلاح، فكيف تفسر لنا أن يقوم الجيش ومنذ ثلاثة أشهر بمطاردة هذه الفئة دون أن يفلح في القضاء عليها؟ وكيف تفسر لنا أن هذه الفئة المسلحة لديها القدرة على المناورة بحيث تنتقل من الجنوب إلى أقصى الشمال ومن الغرب إلى الشرق، دون أن يتمكن الجيش والـ13 جهازا أمنيا والآلاف المؤلفة من البعثيين والشبيحة والمخابرات من قمعها سريعا؟ طبعا لا نريد أن يقدم السيد الرئيس الأسد تفسيرا لأسئلتنا لأننا على يقين أنه يعرف الحقيقة مثلما نعرفها نحن، يعرف أن الشعب ثار لاسترداد كرامته وحريته واستقلاله، ثار من أجل أن يطرد كل أسباب التخلف والظلم والفساد، ثار لأنه كان يريد أن يسقط النظام. يقول الأسد الرئيس في خطابه إنه قرر إلغاء الموافقات الأمنية التي كانت تتطلبها بعض المعاملات التي يحتاجها المواطن السوري وهي موافقات –باعتراف الرئيس– كانت تحتاج إلى موافقة 13 جهازا أمنيا، لا أدري هل يحتاج الرئيس سببا آخر لكي يثور الشعب على نظامه؟ لن ينفع القمع، ولن تنفع آلة تقطيع الأحشاء أو التعذيب، لن تنفع شبيحة النظام التي تعتمد على القتل والتمثيل في قمع المتظاهرين، فمنذ اللحظة الأولى التي انطلقت رصاصات الجيش باتجاه الشعب وعانق الدم السوري أرض الشام، بات في حكم المؤكد أن النظام يلعب في الوقت الضائع. النظام يعرف جيدا أن سبيل الخروج من الأزمة هو الخروج ولا شيء غير الخروج، ولكنه يكابر ولن يفعلها، فإذا ما وقعت سوريا تحت رحمة دول الناتو أو أميركا، وقرر المجتمع الدولي استخدام القوة ضده، فلا يلومن أحد هذا الشعب، ولكن دققوا جيدا في موقف النظام، فهو من سيكون مسؤولا بالكامل عن أي تدخل عسكري ضد أرض الشام.