الخميس 11 ربيع الثاني / 26 نوفمبر 2020
 / 
07:23 ص بتوقيت الدوحة

أرض العميان (1-2)

أحمد حسن الشرقاوي
عندما تغيب المنافسة العادلة أو تكون محدودة، هل يمكن أن تعرف الصحافي الجيد أو الكاتب الأكثر براعة أو الأجزل في العبارة، أو الأغزر إنتاجاً، أو الأعمق فكراً، أو الأفضل أسلوباً؟! كيف ستعرفه إذا لم تتوافر الفرصة للمقارنة بينه وبين طيف واسع من الصحافيين أو كتّاب المقالات الآخرين؟!
من يحرمك من هذا التنوّع، أو يجعل الاختيار المطروح أمامك محدوداً بين عدد قليل، سواء من الصحافيين أو المذيعين أو مقدمي البرامج وغيرهم، اعرف فوراً أنه يريد الحفاظ على «أمر واقع» يحمي «أنصاف الموهوبين» أو حتى عديمي الكفاءة، ممن تسللوا بشكل أو بآخر لأماكن لا يستحقونها!
أظن أنه من المفيد أن نتحدث بصراحة، ونسمّي الأمور بمسمياتها الصحيحة.
إننا نبتهج عندما ينقلب شخص أو مجموعة ضد نظم حكم ديكتاتورية قمعية، سواء في سوريا أو مصر أو غيرها، نفرح لهذا، لكن البعض يستنكر انتقاد ممارسات بعض الشخصيات التي سيطرت منذ سنوات على مشهد المعارضة المصرية فى الخارج.
شخصيات، أستطيع القول إنها أبعدت منافسين آخرين بكل الصور والأشكال، وهددتهم بأرزاقهم وتجويعهم، ما لم يدخلوا «بيت الطاعة المخصص للمعارضين»، رغم أنهم أصلاً لديهم شخصيات عصية على التدجين والإخضاع، وهو ما أفرز وضعاً شديد البؤس بين تلك الشخصيات القليلة وبين الجمهور العريض من المعارضين المصريين فى الخارج.
المعارضة المصرية فى الخارج تمتلك عدة قنوات تلفزيونية تتحكم بها فى بقية المعارضين، المطيع تفتح له باب العمل، وتدخله جنة الاستقرار المادي فى الغربة، والمتمرد يُطرد من تلك الجنة عقاباً له على العصيان!!
المعارضة المصرية تحولت -بكل أسف- لمجرد ظاهرة إعلامية جوفاء، لا تجيد سوى الصراخ وتقديم المبادرات تلو الأخرى.
المهم أن حكاية بعض من يتحدثون باسم الثورة المصرية، تلخّصها مقولة «الأعور بين مجموعة من العميان»، لأنهم هم من يقفون ضد ظهور منافسين آخرين، حتى لا تنفضح عوراتهم، وتنكشف سوءاتهم.
وللأعور قصة مع العميان، جاءت فى رواية ممتعة للروائي والصحافي البريطاني الشهير هربرت جورج ويلز «1866-1946م» بعنوان: «أرض العميان».
تحكي الرواية التي نُشرت عام 1904م عن مهاجرين رحلوا لمناطق بعيدة فى جبال الأنديز، هرباً من طغيان الإسبان، ثم حدثت انهيارات صخرية عزلتهم عن العالم في وادٍ غامض مجهول، وانتشر بينهم نوع غريب من أمراض العيون أصابهم بالعمى الوراثي، وتوارث نسلهم هذا المرض 15 جيلاً حتى نسوا نعمة البصر، وصارت العينان بالنسبة لهم عضواً شاذاً لا وجود له!!
وبمرور الزمن، استطاع أفراد هذه القبيلة تكييف أوضاعهم والتأقلم مع العمى، حيث استعاضوا عن حاسة البصر ببقية الحواسّ الأخرى، وهذا حال الأمم والشعوب التي تعتاد على كل ما هو شاذ وغير طبيعي، باعتباره أمراً واقعاً لا يمكن تغييره سواء في أنظمة الحكم أو مجموعات المعارضة وشللها.
وبعد استعراض ممتع فى الرواية لأحوال هذه القبيلة، تفاجئك القصة المثيرة بظهور بطل شاب من هواة تسلّق الجبال اسمه نيونز، يتعرض لحادث أثناء تسلّق الجبل فيهوي إلى أرض العميان مغشياً عليه فوق وسادة ثلجية، وعندما يفيق يجد نفسه وسط قرية العميان، ويكتشف بعد حديثه مع أهل القرية أنهم جميعاً وُلدوا عمياناً، وبالتالي لا يدركون معنى العمى!!
في تلك اللحظة، يتذكر المغامر الشاب القول المأثور والمشهور الذي يقول: «الأعور فى أرض العميان ملك»، ويظن أنه سيكون ملكاً عليهم.
وفي الأسبوع المقبل نعرف التفاصيل، وللحديث بقية.