السبت 3 جمادى الآخرة / 16 يناير 2021
 / 
11:41 ص بتوقيت الدوحة

بصيرة بشّار

د. زينب المحمود
إن من البديع أن نتناول في هذا الركن عدسة نيّرة، وإن كانت مطموسة البصر فإنها مكشوفة البصيرة، غارت الأنوار عن أحداقها فنبعت من أعماقها، انقطع عنها الاستقبال، واقتصرت على البث والإرسال، إنها عدسة بشار بن برد، الذي لم يتخلف عن عالم الوصف ولم تقصر خطوته في هذا السبيل عن خطى المبصرين، وهو في ذلك كالمعريّ، أبدع في وصف الذات، وأبدع في وصف المعنى، وها هو يصف الوغى التي خاضها قومه وصفاً لا يتأتّى إلا لبصر حديد وعين شاعر مُجيد:

كأَنَّ مثارَ النقعِ فوقَ رؤوسِنا
وأَسيافنا ليلٌ تهاوى كواكِبُهْ

تغنّى كثير من الشعراء بالنقع، وهو قرينة دالّة على غيره لا على ذاته، وهو الغبار المتكاثف الذي تثيره العاديات الموريات المغيرات عند التحام الصفوف وقرع السيوف، وقد نصّ عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً﴾ [العاديات: 4]
وقد تراءت غمامة النقع لبصيرة بشار كالليل إذا أَفَلَتْ كواكبه، وآن انبلاج صبحه، هذا عن الوصف البصريّ، فماذا عن وصف أعماق الشاعر الذاخرة ومشاعره العامرة؟ إليكم ما قال عن تنامي هواه الذي انغرس في جوفه واستقى من كآبته:

كمَخِيلِ الكانونِ أَضرمتَ فيهِ
عامداً فاستطارَ ضوءاً منيرا
أَو كحَبِّ الزرّاعِ وافقَ أَرضاً
وافقتْهُ وحائراً مفجورا

لقد قرّب لنا عالمه الخفيّ عنّا إلى عالمنا الخفيّ عنه، بأمثلة وشواهد ومشاهد من متناول الأبصار إلا أنه تناولها بإلهام البصيرة، فمثّل فوران حبّه وطوفانه باندلاع النار من الشرار وباستغلاظ الزرع من البذار.

اقرأ ايضا

منظار امرئ القيس

03 نوفمبر 2019

برّوا أبناءكم.. تُبَرّوا

20 نوفمبر 2016

جنّة أبي تمّام

21 يونيو 2020

مدارس روضة راشد

14 أكتوبر 2018

فضيلة

03 سبتمبر 2017