الإثنين 17 رجب / 01 مارس 2021
 / 
06:24 م بتوقيت الدوحة

الخليج بين الأمن والاستقرار!!

د. سعيد حارب
شاركت في الأسبوع الماضي في «مؤتمر الأمن الوطني والأمن الإقليمي.. رؤية من الداخل» الذي نظمه مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة بمدينة المنامة، وقد أحسن المركز حين جمع رجال السياسة والأمن إلى جانب عدد من الأكاديميين والإعلاميين ليتحاوروا في قضية من أهم القضايا التي تمر بها المنطقة ألا وهي قضية الأمن الوطني والأمن الإقليمي، فقد تعود كل طرف أن يحاور «نفسه!» في مثل هذه القضايا التي تحتاج إلى رؤية وطنية وإقليمية شاملة لا ينفرد بها طرف دون غيره فمسؤولية أمن المنطقة تهم كافة أبنائها، ولذا حين تطرح هذه القضية على أطراف عدة فإن الرؤى التي يمكن أن يتوصلوا لها تكون أكثر شمولية ووضوح. ورغم الضجيج الذي دار حول بعض أعمال المؤتمر إلا أن المحصلة النهائية تشير أن منطقة الخليج العربي تمر بهزات أمنية داخلية وخارجية فعلى المستوى الخارجي يشكل الخطاب العنيف المتبادل بين الغرب وإيران بشأن البرنامج النووي الإيراني ومحاولة فرض حصار على إيران بشأن هذا البرنامج، وما تهدد به من إغلاق مضيق هرمز، وضرب الدول المجاور في الخليج العربي، كل ذلك يدفع أبناء المنطقة للبحث عن موقف مشترك لمواجهة أخطار هذه «التهديدات» التي تحيط بمنطقتهم، خاصة أن أمن الخليج العربي لم يعد أمنا إقليميا -كما قال أحد المتحدثين- وإنما أصبح أمنا دوليا لما تحتضنه المنطقة من مخزون نفطي يحتاجه العالم لتسيير حياته اليومية، ولن يفرط العالم في هذه الحاجة ولذا فإنه يعتبر تدفق نفط المنطقة جزءا من استمرار حياته، وهو مستعد للتدخل لحماية هذا الشريان الحيوي المهم بالنسبة له، ورغم ذلك إلا أن مسؤولية الأمن تقع على أبناء المنطقة في المحافظة على أمنهم الإقليمي، وما لم يبادروا إلى تولي هذه المسؤولية فإن أطرافا أخرى قد تقدم نفسها للقيام بهذا الدور، لكن الملاحظ أن دول المنطقة لا تملك مشروعا مشتركا لمواجهة التهديدات التي تحيط بهم حيث تعمل كل دولة بصورة منفصلة سواء كان ذلك على المستوى الدبلوماسي أم العسكري، فدول الخليج العربي ليست سواء في علاقتها بإيران التي اعتبرها البعض «المؤجج» الأول للصراع في المنطقة، فموقف هذه الدول يتفاوت قربا أو بعدا من إيران مما لا يشكل موقفا موحدا، ورغم أن البعض ذهب إلى أن أميركا هي إحدى القوى الضامنة لأمن الخيلج العربي وأنه لا بد من تأكيد العلاقة معها ومع الدول الغربية بصفة عامة لتحقيق أمن المنطقة، إلا أن آخرين رأوا أن أميركا لم تعد حليفا بل «مخيفا!» وأنها تعمل على زعزعة الأنظمة في الخليج العربي مما يستدعى إعادة النظر في الموقف منها، لكن معظم الآراء اتجهت إلى أن على دول المنطقة أن تعتمد على قدراتها الذاتية في حماية منطقتها والدفاع عنها، فمهما كان للآخرين دور في دعم أمن المنطقة إلا أنه لا توجد أي ضمانات لاستمرار هذا الدعم، كما لا ينبغي على المنطقة أن ترهن مقدراتها ومستقبلها على مواقف خارجية، بل أن تبني قدراتها وتطورها حتى تحقق كفاءتها في الاعتماد على ذاتها. أما المحور الثاني الذي دار حوله الحوار فهو قضية الأمن الوطني إذ تراوح الموقف بين «التشدد» الأمني، وبين أهمية الربط بين الأمن والاستقرار، فالأمن لا يعني بالضرورة الاستقرار، فالاتحاد السوفيتي السابق كان مثقلا بالقدرات الأمنية والعسكرية، لكن كل تلك القوة لم تعصمه من الانهيار، كما أن أي قوة خارجية لا يمكن أن تحقق أمنا داخليا، الذي هو بالضرورة شأن داخلي صرف، ولذا لا بد من الأخذ بمقومات الاستقرار حتى يتحقق الأمن، ومن ذلك إدخال إصلاحات أساسية شاملة في المجتمع الخليجي، وليس المقصود هو بعض الإجراءات السياسية، إذ إن المنطقة العربية تمر بتحولات مهمة في ظل انهيار المحاور السابقة، وهي محور الاعتدال الذي كانت مصر تشكل رأس حربة فيه، ومحور الممانعة الذي كانت سوريا تقف على رأسه، وبداية تشكل محاور جديدة تقوم على معطيات جديدة أساسها الديمقراطية والحريات العامة والمشاركة، ودول الخليج العربي ليست معرضة لتلك التجارب العربية لطبيعة تركيبتها الاجتماعية، لكنها ليست معصومة من التأثر بها، ولذا فإن إدخال إصلاحات أساسية على المنظومة السياسية في كل دولة يشكل ضمانة بألا تعم الحالة العربية على بلدان المنطقة، خاصة أن الصراع المقبل سيكون بين مشروعيتين سياسيتن، إحداهما ثورية ديمقراطية، وأخرى قبلية تقليدية كما وصفها أحد المتحدثين، كما أن الإصلاحات التي تحتاجها المنطقة يجب ألا تتوقف على الجانب السياسي، فهناك حاجة لإدخال إصلاحات على البنية الاقتصادية والتعليمية وتحقيق العدالة الاجتماعية التي تشكل أساسا لأي عملية إصلاح في أي مجتمع، فالتحولات التي شهدتها بعض البلدان العربية لم تكن السياسة هي الدافع الأول لها بل كانت لها أسباب كثيرة لا بد من معالجتها، ولا يكفي في ذلك مقايضة هذه المطالب بالرفاه، فهذه المقايضة قد تؤتي ثمارها على المدى القصير لكنها على المدى البعيد تأتي بنتائج سلبية على المجتمعات الخليجية. ولعل من آليات مواجهة تحديات الأمن، خاصة في شقه الإقليمي هو الإسراع في التحول للكيان الخليجي المشترك من خلال العمل على إنجاز فكرة الاتحاد الذي دعت له القمة الخليجية الأخيرة، إن قضية الأمن الوطني والإقليمي ستبقى إحدى القضايا الشائكة في طرحها ومعالجاتها، فلم تعد فكرة الأمن قائمة على استخدام القوة في حل المشكلات، بل العمل على منع وجود المشكلات بمنع أسبابها.

اقرأ ايضا

عودة الاشتراكية!!

21 مايو 2012

النواحون!!

29 أكتوبر 2012

تركيا.. عقد من التحولات

12 يونيو 2011