الأحد 14 ربيع الثاني / 29 نوفمبر 2020
 / 
01:25 م بتوقيت الدوحة

من سيفتح أبواب بغداد؟

إياد الدليمي
ليس الخطر في تداعيات الأحداث الأخيرة في العراق بعد إصدار الحكومة مذكرة اعتقال بحق نائب الرئيس طارق الهاشمي، وليس الخطر في طلب رئيس الحكومة نوري المالكي بسحب الثقة عن نائبه صالح المطلق، وأيضاً لا خطر من مطالبة بعض المحافظات العراقية التي عانت الظلم والقهر والاستبداد من حكومات ما بعد الاحتلال بتطبيق الفيدرالية، التي نص عليها الدستور، إنما الخطر كل الخطر فيما بعد ذلك، وما يمكن أن تحمله الأيام القادمة من مفاجآت، ربما تعيد للعراق ذاكرة حرب ما زالت ماثلة في الأذهان، خاصة أن كل ذلك جرى مرة واحدة بعد الانسحاب الأميركي من العراق، الذي وإن كان مفصليا في تاريخ العراق فإنه أيضاً يؤشر إلى طبيعة المهمة الأميركية في العراق التي استمرت تسعة أعوام خرج العراق بعدها لا يشبه نفسه. الغريب في أمر ما يجري في العراق أن هذه الأحداث والتداعيات الخطيرة والأخيرة جاءت عقب الانسحاب الأميركي، وكأن الوجود الأميركي المحتل هو من كان يحفظ التوازنات، أو هم على الأقل يوحون بذلك، علما أنهم أول من أتى بفتنة الطائفية والعرقية بعد الاحتلال من خلال مجلسهم الذي شكلوه في أغسطس من عام 2003، والذي عرف بمجلس الحكم الانتقالي، حيث تم توزيع مقاعده الـ25، وفقا للنسب السكانية كما قالوا، علما أن العراق لم يشهد في يوم من الأيام أي إحصاء سكاني يمكن أن يستدل من خلاله على تلك النسب. المهم أن عراق اليوم، عراق ما بعد الانسحاب، سيبدو غريبا وغريبا جدا، فهو من جهة يسعى لتقوية نفوذه الخارجي من خلال القيام بدور وسيط في الأزمة السورية، علما أنه يعاني من مشاكل لا تحتاج إلى وسيط واحد، بل إلى وساطات من أجل حلها، ومن باب آخر هو أيضاً يسعى لتقوية أطراف حكومية على حساب أخرى، وللأسف على أسس طائفية بحتة، فيسعى، عراق الحكومة طبعا، إلى الانقضاض حتى على شركاء العملية السياسية ممن كان لهم موقف مساند لهذه العملية العرجاء التي انطلقت عقب الاحتلال. ولعل الحديث عن مذكرة اعتقال الهاشمي تشي بأن وراء الأزمة الكثير من الدلالات، التي ربما يكون بعضها موجها إلى الخارج، فإيران ومن خلال حكومة الحلفاء في بغداد تريد أن توصل رسالة للإقليم العربي ومن ورائه المجتمع الدولي، بأن مواصلة الضغط على نظام الأسد في سوريا لن تمر دون أن يكون لها ثمن باهظ، والثمن هنا، انفراد حلفاء إيران بسلطة العراق، وهو أمر تؤكد عليه كل المؤشرات الخطيرة التي ظهرت من العراق، فحتى الرفض الكبير والواسع من قبل أحزاب السلطة في العراق، وتحديدا تلك الحاكمة لإقليم ديالى، عكس الرفض المتماهي لنفس الطلب الذي تقدمت به من قبل محافظتي صلاح الدين والأنبار، يؤكد ذلك. فديالى المحاذية لإيران والتي تعتبر أهم منفذ بري لها وأقربها إلى بغداد، لا يسمح لها بإقامة إقليمها، ناهيك عن جوقة من التطبيل والتزمير قامت بها أبواق تابعة للحكومة وهي تتحدث عن مؤامرة انقلابية مشتركة فيها أطراف حكومية، وطبعا دائما هذه الأطراف بالضرورة هي أطراف سنية. وهي أيضاً ورقة موجودة في أدراج الحكومة تستخدمها لابتزاز أي طرف يمكن له أن يقوم بدور المعارض لتوجهات الحكومة سواء منها الداخلية والخارجية. ولعل سؤالا يبرز هنا كبير بحجم مأساة العراق، لماذا دائما المتهمون في قضايا إرهاب أو فساد مالي هم من المسؤولين السنة؟ يعني أليس هناك مسؤول أو وزير شيعي متورط بمثل هذه الاتهامات؟ ببساطة هناك رغبة إيرانية عارمة بسد الفراغ الأميركي، سد الفراغ على طريقة إيران، فهي لن تدخل قواتها إلى العراق وإنما تستخدم نفوذها داخله، وهذه المرة ستسعى من أجل سد الفراغ بتقوية حلفائها في الحكومة من خلال قص أجنحة كل طرف معارض، وغالبا ما يكون هذا الطرف المعارض هو من العرب السنة. المالكي أغلق أبواب بغداد خلف القوات الأميركية وأمام كل من يسعى لحل مشاكلها أو التدخل من أجل رأب الصدع، الصدع الذي يرفض أن يراه المالكي وحكومته، ومن ثم بدأ بحملة تصفيات واسعة، تشمل كل معارضيه، وأيضاً يحاول أن يثبت حقائق على الأرض بأن كل من يسعى لدخول معترك السياسة يجب عليه أن يخضع لشروطه. أبواب بغداد تغلق رويدا رويدا في وجه الجميع إلا في وجه من كان مع توجهات الحكومة التي يقودها حلفاء إيران، وبالتالي فإن تداعيات المشهد العراقي لن تختزل بمذكرة اعتقال لطارق الهاشمي أو إقصاء لهذا الطرف السني أو ذاك، وإنما ستنفجر عن صور أخرى لا يبدو أنها تساعد على رؤية عراق أفضل بعد الانسحاب الأميركي.