الجمعة 12 ربيع الثاني / 27 نوفمبر 2020
 / 
04:32 م بتوقيت الدوحة

سيفُ الدولةِ وعنترةُ

د. زينب المحمود

بنى سيفُ الدولةِ قلعةَ الحدثِ الحمراءِ بيد وحاربَ دونَها بيد، فترافقَ فيها عملُ السيوفِ والمعاولِ، وتكاتفَتْ زنودُ البنائينَ مع زنودِ المقاتلينَ. وكانَ سيفُ الدولةِ ذا سيفٍ، ولم يكنْ ذا لسانٍ، وقدَ قُيِّضَ له من فحولِ الشعراءِ مَنْ صوَّرَ معاركَهُ الخالدة، إِلّا أَنَّ لعنترةَ عليهِ فضلَ القولِ معَ العملِ، وفصاحةَ اللسانِ وحدةَ السنانِ، فما نبا له سيفٌ، ولا كبا له جوادٌ، ولا عيَّ له بيانٌ، فكانَ إِذا وردَ الكريهةَ وحميَ الوطيسُ، أَبلى أَحسنَ البلاءِ، وصنعَ أَحسنَ الصنيعِ، ثمَّ إِذا انقشعَ الغبارُ ووُضعَتِ الأَوزارُ وصدرَ عنها بالظفرِ، وجلسَ إِلى الناسِ في النادي، جادَ بأَفصح القولِ وغلَّفَ ملاحمَهُ بقصائدِهِ العصماواتِ. ولنا اليومَ وقفةٌ مع مسرحِ عنترةَ العبسي ليسَ في صددِ انتصارِهِ، بل في صددِ اندحارِ خصومِهِ:
وداسوا أَرضَنا بمضمراتٍ
فكانَ صهيلُها قيلًا وقالا
تولُّوا جفلًا منّا حيارى
وفاتوا الظغنَ منهُم والرحالا
وراحَتْ خيلُهمْ من وجهِ سيفي
خفافًا بعد ما كانتْ ثقالا
تدوسُ على الفوارسِ وهي تعدُو
وقدْ أَخذَتْ جماجمُهمْ نعالا
أَميلُ إِلى الظنِّ أَنَّ من هذهِ الكلماتِ اشتُقتْ عروضُ السينما التي تترجمُ هذه الأَحداث بتتابُعِها وتسارعِها، وتنقلُ الخوفَ والذهولَ وفرارَ الأَخِ منْ أَخيهِ عندَ انكسارِ الجيشِ والتولِّي يومَ الزحفِ. وعلى نحو ما للشاعرِ من خفةٍ في قتالِهِ، يكون لهُ خفةٌ في أَوصافهِ، ومرونةٌ في لغتِهِ. وقد كانَ صهيلُ خيولِهم أَبعدَ ما يكونُ عن الفعالِ، وأَقربَ ما يكونُ من القيلِ والقالِ، وسرعانَ ما أَدبرتْ تاركةً وراءَها حرمةَ الظعائنِ عرضةً للسبيِ، وأَلقتْ عنها أَحمالَها، وولّتْ تدوسُ الرؤوسَ، وتتعثَّرُ بجثثِ فرسانِها، وهذا ما رأَيناهُ بحذافيرِهِ في عالمِ السينما، وما أَحسبُهُ إِلّا قبسًا اصطلاهُ المخرجونَ والمنتجونَ من عدسةِ الشعرِ.

اقرأ ايضا

يا صديق العمر

23 أبريل 2018

لحظات الإبداع

03 فبراير 2019

بصيرة بشّار

23 فبراير 2020

عالم «السناب»

19 نوفمبر 2020

برّوا أبناءكم.. تُبَرّوا

20 نوفمبر 2016