الخميس 18 ربيع الثاني / 03 ديسمبر 2020
 / 
10:26 ص بتوقيت الدوحة

قلق العودة إلى المدارس.. وجيل الكورونا

د. مأمون مبيّض
من الطبيعي، بلّ والمُتوقّع، مع انتهاء العطلة الصيفية واقتراب تاريخ العودة للمدارس، من الطبيعي أن يشعر الكثير من الأطفال ببعض القلق، وخاصة ونحن مازلنا في مرحلة ضرورة اتباع الإجراءات الصحية للحدّ من انتشار الإصابة بفيروس الكورونا. ولا شك أن الكثير من الآباء والأمهات أيضا يشعرون بالقلق من عودة أطفالهم لمقاعد الدرس. وصحيح أن معظم الأطفال يتجاوزون هذه الفترة الحرجة من القلق، ويلتحقون بمدارسهم بنجاح، بما أودع الله في الأطفال من المرونة والمناعة النفسية (Resilience) إلا أن هناك منهم من قد يجد، ولأسباب متعددة، صعوبة في التكيّف مع هذا القلق، مما يمكن أن يؤثر سلبا على تعليمهم ونموهم المعرفي والنفسي العاطفي.

آثار جائحة الكورونا على تعليم الأطفال: مما لا شك فيه أن جائحة الكورونا التي أصابت العالم فأثرت فيه، وما زالت، في عجلة الحياة لعدة أشهر، ومنها عجلة التعليم، حيث تحول التعليم فجأة للتعليم عن بعد، وفجأة وجد الطفل نفسه "محبوس" في البيت، وحُرم من الذهاب لصفه ولمدرسته، وحُرم من رؤية معلمته، ولم يعد يرى ويلعب مع أصدقائه، وطُلب منه الجلوس على شاشة التلفاز أو الكمبيوتر ليتابع التعليم. ومن الطبيعي أن الكثير من الأطفال وجدوا صعوبة وتشوش في فهم ما يجري، ووجدوا الوالدين أيضا "محبوسين" معهم في البيت لعدة أشهر، مع عدم الخروج والتسوّق والتنزه المعتاد... فكل هذا ربما أحدث قلقا وتوترا ليس فقط عند الأطفال وإنما حتى عند الوالدين. 
ومن الطبيعي أن يشعر الطفل، وكذلك الوالدان، ببعض القلق من العودة للمدرسة، وخاصة أن بعض الإجراءات الصحيّة مازالات مطلوبة في كثير من نواحي الحياة، وبالرغم من حضور طلاب المدارس بشكل جزئي كما قررت وزارات التعليم في عدد من المجتمعات، ولاشك أن قلق الوالدين على صحة طفلهما، وخوفهما من إصابة الطفل بفيروس الكورونا، سينتقل هذه القلق للطفل بطريقة أو أخرى. كل هذا والكثير من المجتمعات مستمرة بالجدال والنقاش في كيفية عودة الأطفال لمدارسهم، وكيفة تعليمهم وبنفس الوقت تأمين سلامتهم. ومازالت وزارات التعليم تحاول التعرف على أفضل الممارسات للسير في عملية التعليم، والحفاظ على سلامة الطلاب.
يستعمل هذه الأيام مصطلح "جيل الكورونا" للإشارة إلى جيل الأطفال والطلاب الذين أخذوا التعلم عن بعد، ومن خلال الشاشات، مع القليل من التفاعل الإنساني التعليمي المباشر، سواء مع المعلمين أو مع بقية الطلاب. وبالرغم من أنه يمكننا توقع بعض الآثار السلبية القريبة لجائحة الكورونا على الأطفال كالشعور بالقلق والتوتر والاضطراب والخوف، وما يمكن أن يرافق هذا من اضطراب النوم والشهية للطعام وتغيّر بعض السلوكيات مثل التعلق الشديد بالوالدين، وربما التبول اللاإرادي، وكذلك فقدان فرصة التفاعل الطبيعي مع بقية الأطفال والمعلمين لتعلم بعض المهارات الاجتماعية، إلا أنه مازال الوقت مبكر جدا لمعرفة الآثار النفسية والاجتماعية والتعليمية المتوسطة والبعيدة المدى على أطفال "جيل الكورونا".

من أسباب قلق العودة للمدرسة:
والأمر المعروف أيضا أن في عودة الطفل أو الطالب للمدرسة، أو حتى بداية الدوام المدرسي للمرة الأولى، محفوفة بالعديد من العوامل المسببة للضغط والتوتر والقلق، سواء الأسباب العامة أو الخاصة بأزمة الكورونا، ومن هذه العوامل:
- الانفصال عن الوالدين
- الانتقال من رحابة البيت إلى "الحبس" في قاعات الدرس 
- الحرمان من "حرية" البيت والدخول في نظام المدرسة وروتينها
- ربما تغيير المدرسة، كما في بعض الحالات
- التعامل مع معلم/ معلمين جدد 
- التعرف على زملاء وطلاب جدد
- الإقدام على "المجهول" ففي كل عام هناك بعض الأمور الجديدة غير المعروفة
- مواجهة الجو المزدحم بالطلاب والمعلمين والإداريين
- الدخول في الأجواء الصاخبة بالأصوات 
- التكيّف مع متطلبات الدراسة والمذاكرة والواجبات المنزلية
- القلق والتوتر من الإصابة بما يُتحدث عنه هذه الأيام صباح مساء "الكورونا"
- القلق والتوتر من اتباع التعليمات الصحية كالتباعد الجسدي وربما ارتداء قناع الوجه، والتعقيم
ويمكن للوالدين أن يلاحظا تنامي شعور الطفل بالقلق والتوتر مع اقتراب العودة للمدرسة، من خلال ملاحظة بعض التغيّرات العاطفية أو السلوكية، فمثلا قد يقلق الطفل من أنه لا يملك كل الحاجات المطلوبة للمدرسة من الأدوات القرطاسية، أو طرحه للأسئلة عن مدرسته وصفّه الجديد، أو السؤال عن معلمته الجديدة، أو ملاحظة بعض صعوبات النوم مع اقتراب افتتاح المدراس.

من علامات قلق العودة إلى المدارس: طبعا بعض القلق الخفيف مع اقتراب العودة للمدرسة لهو أمر طبيعي، ولكن قد يشتد هذا القلق عند بعض الأطفال الذين يعانون من القلق العام غير المتعلق بالعودة للمدرسة، ويظهر هذا القلق الزائد من خلال بعض سلوكيات الطفل ومنها: 
- زيادة الشكاوى الجسدية كألم البطن والصداع والتعب، مع غياب المرض الذي يفسّر هذه الشكاوى.
- تغيّر واضح في نوم الطفل، كأن يحتاج لوقت طويل حتى يغفل، أو الاستيقاظ ليلا وهو قلق مضطرب.  
- احتياجه للتطمين، وطلبه المستمر للتطمين مع أنه تلقاه من وقت قريب.
- طرحه المستمر لبعض الأسئلة من مثال "هل أصدقائي سيكونوا في نفس الصف؟"  أو "هل سأرى أصدقائي؟" أو "كيف إذا كان صديقي مروان غير موجود؟" أو "هل سأكون في أمان في المدرسة؟" "هل يوجد كورونا في المدرسة؟" "هل أستطيع أن آكل في المدرسة؟"...
- تجنّب الأنشطة المتعلقة بالمدرسة كزيارة المدرسة للتعرف عليها وعلى المعلمين.
- التغيّب عن حضور المدرسة يوم افتتاحها.

ما يمكن للوالدين عمله للتخفيف من قلق العودة إلى المدارس: - من الضروري أولا ألا يشعر الوالدان أو يتبادر لذهنهما بأنهما لم يحسنا التربية بسبب صعوبة الطفل أو قلقه من الذهاب للمدرسة، كما قد يعتقد بعض الآباء للوهلة الأولى، وهذا القلق ليس دليل على أن طفلهم لا يحب العلم والتعلّم، فما هي إلا مرحلة عابرة ويتجاوزها الطفل، وخاصة إذا أحسنا التعامل مع هذا الموقف بالشكل الإيجابي.
- مواجهة القلق بدل تجنّبه، فالعادة أننا نحاول الابتعاد عن مُسبب القلق، وصحيح أن هذا يريح قليلا، ولكن سرعان ما يزداد القلق، ويتعمَم، ويدخل الطفل في دائرة معيبة مما يقوي هذا القلق، ويُطيل أمده. والأفضل من التجنّب مواجهة القلق، بالاعتراف بوجوده عند الطفل، ومساعدته على اتخاذ خطوات بسيطة لمواجهته بالإصرار على الذهاب للمدرسة وليس تجنّبها. فيمكن للوالدين أن يقولا "يبدو أنك تشعر ببعض القلق من ركوب حافلة المدرسة، هل يساعدك أن أقف معك في الخارج عندما تأتي الحافلة لأخذك للمدرسة؟"
- تقديم الإطراء والتشجيع لأي خطوة، ومهما كانت صغيرة وبسيطة، يقوم بها الطفل باتجاه مواجهة قلقه والذهاب للمدرسة "كم أنا مسرور من كونك عازم على ركوب الحافلة هذا الصباح، هذا عمل شجاع أن تُبعد قلقك عنك، ولا تسمح له بحرمانك من المدرسة".
- تدريب الطفل على روتين المدرسة، فمثلا مع اقتراب بداية العام الدراسي يمكن للوالدين العمل مع الطفل على تحضير حقيبة المدرسة، وتناول الفطور المعتاد وكأنه صباح يوم الدوام، ثم الخروج في الطريق المعتاد من البيت للمدرسة وكأن هناك دوام...
- هناك مدارس تتيح لطلابها زيارتها عدة أيام قبل بداية الدوام من أجل تشجيع الأطفال على الحضور، فيمكن للوالدين التجول في رحاب المدرسة، وربما دخول الصف الذي سيداوم فيه الطفل، والتعرف على المعلمة إن وجدت.
- بعد هذا التدريب السابق يمكن للوالدين أن يجلسا مع الطفل لمناقشة ما تم في هذا التدريب من "تمثيل" مشهد الذهاب للمدرسة، كيف سارت الأمور، وما هي التحديات والصعوبات؟
- مساعدة الطفل على تعلم مهارات حلّ المشكلات، فإذا ذكر مثلا أنه خائف من أن لا يعرف صفّه، فيمكن للوالدين مناقشة الطفل كيف يمكنه حلّ هذا التحدي، وجعل الطفل يقترح بعض الحلول، كأن يسأل أحد المعلمين أو المشرفين المتواجدين في مدخل المدرسة أو ساحتها.
- أن يكون الوالدان القدوة الحسنة والنموذج للسلوك الإيجابي الذي يريدان للطفل أن يتحلى به، فمثلا إذا اضطرب الطفل وبدأ بالبكاء والصراخ على باب حافلة المدرسة أو في سيارة والده، يفيد للوالد هنا أن يتذكر أن طفله إنما هو مضطرب بسبب القلق، وليس بإرادته. وعلى الوالد هنا أن يُظهر السلوك الذي يريد أن يراه في طفله كالهدوء والاتزان، وذلك بأن يأخذ الوالد نفسا عميقا، ويحاول ألا يفقد أعصابه، ويحافظ على هدوئه بالرغم من أن الأمر الطبيعي أن يشعر الوالد في مثل هذا الموقف بالاضطراب والانزعاج، وخاصة عندما يكون الوالد على عجلة من أمره ليلحق ليس فقط بوقت دوام الطفل وإنما أيضا دوامه هو في عمله. فإذا يفيد للوالد هنا أن يأخذ عدة دقائق للتراجع قليلا من هذا المشهد، ويحاول ممارسة بعض مهارات الاسترخاء، كأن ينظر في الألوان المحيطة بالمكان كألوان الشجر والسماء... وليعود ويتحدث مع الطفل بشئ من الهدوء.   
-التأكد من حصول الطفل على ساعات النوم الكافية، وهذا الأمر هام مع نهاية الصيف حيث ربما اعتاد الطفل خلاله بالسهر والنوم في ساعات متأخرة جدا، وربما اعتاد الاستيقاظ صباحا أو ظهرا في وقت متأخر. ومن المعروف أن قلة النوم تجعل الطفل أكثر توترا وأكثر عرضة للقلق، ولذلك يفيد أن نساعد الطفل على النوم بساعة مناسبة وقبل اقتراب العودة للمدرسة ببعض الوقت، مما سيعينه على النوم لساعات مناسبة، وعلى اليقظة المبكرة، فهذا مما يخفف من قلقه، ويساعده على مواجهة يومه بنشاط أفضل. ومما يعين على كل هذا أن نخفف من ساعات الجلوس أمام الشاشات، كشاشة التلفاز أو الكمبيوتر أو الألعاب الإلكترونية، مما يساعد الطفل على النوم المريح.  
- تشويق الطفل لحضور المدرسة، بالحديث معه عن نشاطات المدرسة، وما يمكن أن تكون المدرسة قد أعدت من أنشطة وفعاليات جديدة رياضية أو كشفية أو ترفيهية. ويمكن أن يبدأ مثل هذا الحديث في الأسابيع القليلة قبل العودة للمدرسة. 

متى نستشير ونطلب المساعدة؟
في بعض الحالات، ومهما حاول الوالدان من تخفيف القلق، يمكن لبعض الأطفال أن يؤثر قلقهم على حضورهم للمدرسة وبشكل كبير، فقد يحضر للمدرسة إلا أنه لا يشارك في العديد من الأنشطة والفعاليات داخل المدرسة، كالنشاط الرياضي أو المسرحي أو الترفيهي أو المسابقات. 
وفي بعض الحالات القليلة قد يدخل الطفل في حالة "رهاب المدرسة" (School Phobia) حيث يصبح من الصعب جدا على الطفل حضوره ودوامه في المدرسة. 
وفي كل هذه الحالات أنصح في المرحلة الأولى بالتواصل مع الأخصائية النفسية في المدرسة واستشارتها، فالعادة أن لديها خبرة جيدة في التعامل مع مثل هذه الحالات، ولابد هنا من التعاون القريب بين البيت والمدرسة في تخفيف قلق الطفل، ومساعدته على الحضور المناسب والمريح للجميع. 
وفي بعض الحالات القليلة التي لا تنجح فيها مساعي المدرسة والبيت فيمكن هنا تحويل الطفل من خلال الوالدين لإحدى العيادات النفسية المتخصصة بالطب النفسي عند الأطفال، فالأمر قد يتطلب تقييم شامل، ومن ثم وضع التشخيص المناسب، ومن بعدها الخطة المناسبة للعلاج النفسي والسلوكي، والذي غالبا ما يكون بالتعاون بين البيت والمدرسة والعيادة النفسية. والخبر السعيد أن نسبة تعافي الأطفال من مثل هذا القلق نسبة عالية جدا، مما يبشّر بمستقبل أفضل لأحد أطفال "جيل الكورونا". 

      

اقرأ ايضا