الأحد 4 شوال / 16 مايو 2021
 / 
05:08 ص بتوقيت الدوحة

كردستان العراق.. قراءة في التجربة

إياد الدليمي
أتيحت لي فرصة حضور المؤتمر الدولي للإبادة الجماعية الذي أقيم في أربيل عاصمة كردستان العراق في الذكرى 25 لمجزرة حلبجة، وكانت فرصة طيبة للوقوف على ما أنجزه أكراد العراق بعد 10 سنوات من احتلال العراق، وتجربة الحكم المحلي والإدارة الإقليمية ضمن العراق التي اختارها الأكراد. أول ما يمكن ملاحظته على التجربة الكردية في العراق أنها تجربة تعتمد مبدأ التسامح حتى مع من تعتبره عدوا، وهو ما رفعه المؤتمر الدولي للإبادة الجماعية كشعار له، فروح الانتقام والثأر غابت عن مجريات المؤتمر، وانصبت على ضرورة بناء العراق الجديد وفقا لمبدأ الشراكة، التي يرى فيها الأكراد أنها قادرة على أن تخلص العراق من أزمته المتواصلة منذ عشرة أعوام بلا توقف. ما يميز أكراد العراق اليوم، هو أنهم وإن تحدثوا بخيار الانفصال عن العراق، فإنهم دائما يقدمون عليه خيار البقاء ضمن عراق واحد بنظام اتحادي فيدرالي، نظام يعتقدون أنه الأنسب لحكم شعب متعدد الطوائف والعرقيات والأديان، كما أنهم يقدمون أنفسهم على أنهم تجربة ناجحة، يقدمونها كنموذج لأولئك الذين يشعرون بأنهم يعيشون تحت وطأة الإقصاء والتهميش التي تمارس بحق شريحة كبيرة وواسعة من العراقيين، الذين اختاروا اليوم طريقهم في مواجهة حكومة المالكي عبر المظاهرات المستمرة منذ ثلاثة أشهر. ما يلاحظ في تجربة الإقليم الكردي أنها منفتحة على الآخرين، وتسعى للاستفادة من التجارب المماثلة دون أن تتجاوز الخصوصية التي يتمتع بها العراق عموما ومناطق الأكراد منها على وجه الخصوص، فهي تسعى لترسيخ مفهوم المواطنة عبر سلسلة من القوانين الناظمة التي جعلت من بين ما تهدف إليه، إشعار المواطن في مناطق الإقليم بأنه شريك حقيقي في التنمية والثروة، الأمر الذي أدى إلى انخفاض نسبة الفقر في مدينة أربيل على سبيل المثال إلى %3 وفقا لبيانات وإحصاءات وزارة التخطيط العراقية، في الوقت الذي تعاني فيه العاصمة بغداد من أكبر نسبة فقر في تاريخها وصلت إلى نحو %30. وأنت تسير في شوارع أربيل، لا بد أنك ستكون أمام مشاهد تسترعي انتباهك، لعل من أولها قلة تواجد رجال الأمن، سواء في الشارع أو أمام الدوائر الرسمية، فما خلا رجل المرور، يكاد نادرا أن ترى رجلا بزي عسكري، وهو أمر يحسب للإدارة المحلية في المدينة التي نجحت في إشاعة روح القانون، حتى إن نسبة الجريمة في أربيل انخفضت إلى مستويات كبيرة جدا. وليس بعيدا عن إشاعة روح القانون واستتباب الأمن، فإن الاستثمارات التي بدأت تدخل المدينة منذ عام 2003 وحتى اليوم كبيرة وكبيرة جدا، غيرت وجه أربيل بالكامل، وتحولت إلى مدينة عصرية تتمدد بسرعة وانتظام، وباتت مقصدا للعديد من الشركات الاستثمارية التي وجدت فيها فرصة مثالية، خاصة في ظل توافر منظومة قوانين مشجعة على الاستثمار وتحافظ على رؤوس الأموال. يحق للأكراد أن يفخروا بتجربتهم، فبينما يعيش العراق فصلا دمويا ومأساويا منذ الاحتلال الأميركي قبل عقد من الزمن، تتمتع مدن الإقليم الكردي بواحدة من أعلى مستويات الأمن عالميا، مستوى لم تصل إليه تلك المدن، إلا بعد أن تمكنت من إدارة نفسها بعيدا عن تسلط المركز الذي مارس ويمارس منذ 2003 وحتى اليوم، لعبة دموية قذرة على حساب أرواح الشعب العراقي المغلوب على أمره. فحكومة المالكي التي جاءت على أكتاف الأكراد قبل غيرهم، تنكرت لهم، وباتت تناصبهم العداء، وفقا لسياسة إذا ما استمرت فإنها قد تقود العراق إلى التقسيم الذي ربما يبدأ أولا من الإقليم الذي يتمتع بكل مقومات الدولة، وليس هناك ما يجبر الأكراد على البقاء ضمن عراق واحد لا يشعرون فيه بأنهم شركاء حقيقيون. سياسة المالكي التي استعدت عليه خلفاءه الرئيسيين من الأكراد، استعدت عليه أيضاً مناطق غرب وشمال غرب العراق، وهي المدن السنية المنتفضة ضد تلك السياسات الإقصائية والتهميشية التي حولت من ابن العراق السني إلى مواطن من الدرجة الثانية، مهضوم الحقوق، مبعد عن أي مشاركة سياسية أو اقتصادية أو علمية أو ثقافية، غير أن تلك التظاهرات لم تنتج حتى الساعة مطلبا موحدا يوضع كالسيف على رقبة الحكومة. ولعل في تجربة الحكم الفيدرالي في إقليم كردستان العراق، ما يغري الملايين من العرب السنة لتكرارها في مناطقها، وهو الهمس الذي علا وارتفع بعد نحو ثلاثة أشهر من التظاهرات، وبات هذا المطلب يمثل بالنسبة للكثيرين منهم، مطلبا أساسيا لمظاهراتهم. تجربة الإقليم الكردي تؤكد من جديد، أن إمكانية التعايش بين مكونات الشعب العراقي ليس بالأمر المستحيل، ولكن وفقا لمنظومة قواعد تتصدرها قاعدة الشراكة بين مكونات الشعب العراقي الكبرى، ممثلين بالعرب السنة والعرب الشيعة والأكراد، وثاني تلك القواعد الإيمان المشترك بأن التقسيم لن يكون لصالح أحد، حتى ليس لصالح أكراد العراق، الذين يدركون ذلك جيدا، وهو ما يجعلهم يتمسكون لآخر لحظة بعراقهم وعراقيتهم. المالكي اليوم مطالب ليس باسترضاء العرب السنة وحسب، وإنما الأكراد أيضاً، فهم أيضاً يشعرون بأن هذا الرجل الذي أوصله اتفاق أربيل الشهير إلى رئاسة ثانية للحكومة، خدعهم وراح يلتف على الوعود والمواثيق التي وقعها في أربيل، وبالتالي فإن بقاء المالكي بذات السياسة الإقصائية سيجرنا إلى خيارات أحلاها مر، سواء أكان ذلك بحرب تخلق واقعا وتسويات جديدة، أو تقسيم يجعل من العراق عراقات. قال لي أحد الإخوة الأكراد، «نحن من أوصل المالكي إلى رئاسة الحكومة ثانية، وهو أكبر عار سياسي سيبقى يطاردني، أشعرنا المالكي، بسياساته الطائفية، إننا سنة، شعور لم نفكر به طيلة عقود من الزمن».