السبت 15 رجب / 27 فبراير 2021
 / 
03:25 ص بتوقيت الدوحة

وإن كنتَ على نهر جارٍ

فاطمة الدوسري

مرّ الرسول صلى الله عليه وسلم بسعد وهو يتوضأ فقال: ما هذا السرف يا سعد؟ قال: أفي الوضوء سرف؟ قال: نعم (وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ)، جسّدت هذه الجملة معنى»الاستدامة» التي هي من أهداف الرؤية الوطنية 2030 بتحويل قطر لدولة متقدمة قادرة على تحقيق التنمية المستدامة، وتأتي ضمن ركائز أهدافها «الحوكمة الرشيدة».
والحوكمة هي تطبيـق قيـم الديمقراطيـة والعدالـة والمسـاواة فـي الفــرص، وتحقيــق الشــفافية، والنزاهــة، وتعزيــز ســيادة القانــون، ورســم الحــدود الفاصلــة بيــن المصالــح الخاصــة والعامــة، وينطبق هذا على القطاع العام والقطاع الخص؛ للتأكد من أن استثماراتها تتم بشفافية على أساس من «المنافسة الحرة»، حتى تعود بالنفع على المواطنين.
ولكن عندما يتم دعم الشركات الكبيرة وتأتي القوانين رافضة لمشاريع جديدة لشركات ناشئة، بينما تعطي مباركتها لجهة كبرى بأن تكون وكيلاً لشركات أجنبية تقدم نفس الخدمة «المرفوضة» من الناشئ المحلي، وعندما تدخل الشركات شبه الحكومية المناقصات منافسةً للقطاع الخاص، فمن الطبيعي أن تخرج كاسبة للرهان، لأنها وبالتأكيد ستقدم السعر الأقل فهي مدعومة، وبذلك ستقضي على الشركات الصغيرة والناشئة، وتُفقِد المنافسة جدواها.
وقد تصبح القاعدة الذهبية في الاستثمار المحلي (الربح مرهون بالدعم الحكومي). انطلاقاً من هذا المنظور، من المستبعد أن يُقْدِم القطاع الخاص على الاستثمار بالشكل المطلوب، أو أن يلبي دعوات المشاركة المجتمعية، فالخسارة مضمونة.
وبالطبع، هذا لا يبرئ ساحة القطاع الخاص، فتلبية دعوات دعم المنتج الوطني مرهونة بعدة أمور، منها: الجودة، والسعر، فهل يعقل أن يكون المنتج المحلي بنفس سعر المستورد إن لم يكن أعلى سعراً؟! وهل يعقل أن المنتج ذاته يُباع في الدول الشقيقة بنصف السعر الذي يباع به في بلد المنشأ؟! وعلى أقل تقدير، أين قيمة الشحن؟! وكيف ستنافس المستورد؟ أبالاحتكار؟؟
مثل هذه الممارسات تعد آفة اقتصادية واجتماعية، ينتج عنها هدم الثقة في الشركات المحلية، فيصبح اتخاذ القرارات اللازمة لتعزيز المصلحة العامة أمراً صعباً، ويترتب على ذلك تقويض مشاريع التنمية المستدامة.
وإذا كان هذا واقع البيئة المحلية، فإن هدف استقطاب الاستثمارات الخارجية يبدو غير مغرٍ لها، فرأس المال جبان، وعليه فإن احتمالات نجاح أهداف الاستدامة أقل بكثير مما نأمل.
إن مبادرات الحوكمة الرشيدة الناجحة التي تعمل على تأمين استمرار العيش الكريم للشعب القطري جيلاً بعد جيل تقوم على الإصلاح بصورة تركز على الشفافية والمساءلة، والحيلولــة دون اســتغلال المنصــب والنفــوذ.
نجاحنا اليوم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة هو ما ستحصده الأجيال المقبلة، والعكس صحيح، والشواهد حولنا كثيرة، نحن مدينون بالنجاح لمن سيأتون بعدنا، وإن كُنا على نهرٍ جارٍ.

اقرأ ايضا

رابح x رابح

15 أكتوبر 2020

رفاهية المواطن

11 نوفمبر 2020

للتأمين الصحي.. حلّ مؤقت

19 نوفمبر 2020

الرقابة الإدارية

25 نوفمبر 2020