الجمعة 12 ربيع الثاني / 27 نوفمبر 2020
 / 
05:31 م بتوقيت الدوحة

محو الجهل أولى

إبراهيم السادة

في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، وعلى إثر مبادرة الدولة بافتتاح مراكز تعليم الكبار، أو ما يعرف بـ «محو الأمية»، قررت أم محمد -رحمها الله- وبكل عزم وحزم أن تلتحق بالبرنامج الطموح، كانت قد ناهزت حينها الثمانين من العمر، لكنها اتخذت قرارها دون الالتفات للمثبطين من حولها، في ذلك الوقت كنت لا أزال في المرحلة الإعدادية، أذكر أنها كانت متحمّسة جداً للذهاب إلى المدرسة، وأذكر سعادتها وهي تتحدث عن إعجاب معلمتها «الأبلة» بها وبالتزامها ومتابعتها للدروس، كان لديها شغف منقطع النظير بالتعلم؛ لذا لم تتردد عندما أتيحت لها الفرصة أن تُقبل عليه، لأنها تعرف قدر العلم.
كانت تضع دفترها في المساء على وسادة في حجرها مستغرقة في حل واجباتها المدرسية، ما زلت أذكر صوتها، وما زلت أذكر خطها المتعرج كتعرج الزمن الصعب الذي عاشته وبقي أثره شاهداً في ارتجاف أطرافها، لقد ترمّلت في وقت مبكر من حياتها على أيتامٍ، فأحسنت تربيتهم، وحثتهم على العلم والتعلّم حتى أصبحوا رجالاً وجهاء، وهي لم تزل أمية، بل إنها بعد أن تَعلّم أبناؤها القراءة والكتابة، كانت تملي عليهم بكل رصانة ما يحتاجونه من خطابات ورسائل بأسلوبٍ حصيفٍ أديب، وكأنها قرأت أمهات الكتب، كانت تُحسن الافتتاحية، وتُجَمّل سرد الطلب، وتتقن الخاتمة.
كانت أمية لكنها لم تكن جاهلة، وشتان بين الأمية والجهل، فالأمية تجمع فقط من لا يعرف القراءة والكتابة، لكن الجهل قد يجمع الأمي والمتعلم، فكم من عالم وهو كفيف بصر لا يقرأ ولا يكتب، وكم من جاهلٍ يحمل شهادة كالذي يحمل «أسفاراً»، لكننا في المقابل لا ننكر أن الغالب على من لا يعرف القراءة والكتابة في زماننا أن يكون جاهلاً.
لقد توسّعت المدارس في جميع أرجاء الوطن العربي، وناهز عدد الجامعات مائتي جامعة، ما بين حكومية وخاصة، فضلاً عن استمرار برامج الابتعاث للخارج في دول الخليج وبعض الدول العربية، ولكن يبقى السؤال قائماً: هل انخفاض نسبة الأمية يعني بالضرورة تراجع الجهل؟ أم أننا بحاجة لبرامج محو الجهل من مجتمعاتنا، ومكافحة الغثائية التي أطلت برأسها علينا، أبطالها ليسوا أمّيين، فهم يقرأون ويكتبون، لكنهم في الغالب يقرأون ما لا ينفع، ويكتبون ما لا يُقرأ، أتدرون لماذا؟ لأن التعليم بالنسبة لهم هو مجرد اكتساب القدرة على تجاوز الامتحان وليس اكتساب المعرفة. ولقد أعجبتني مقولة أحدهم إذ يقول: «نحن نتعامل مع أكثر الأجيال تعليماً في التاريخ، ولكن المشكلة أن عقولهم ارتدت أفضل الملابس بدون أن تعرف أين ستذهب».
وفي الختام نقول: لو كانت الأمية على شاكلة أم محمد لما كانت مصدر قلق للحكومات والشعوب، فالتحديات الكبرى التي نواجهها اليوم كقضايا الفساد والاستبداد، وانتهاك حقوق الإنسان، وتبديد الموارد، وتدني الجدية والإنتاجية، وعدم المسؤولية، والعبث في الهوية، ليست من صنع الأمية، هي من صنع الجهلة المتعلمين الذين حرصوا على الشهادات العلمية، ولم يحرصوا على العلم، هم الذين اكتفوا بشرف نيل الشهادة بأي طريقة كانت، لكنهم في حقيقتهم لم ينالوا شرف العلم، وكما قيل إن الشهادة ورقة تثبت أنك متعلم، لكنها لا تُثبت أنك تفهم!
إلى اللقاء

اقرأ ايضا

انطلاقة جديدة

13 أكتوبر 2020

لمن الكأس؟

26 أكتوبر 2020

هذه بضاعتنا

02 نوفمبر 2020