الثلاثاء 3 ربيع الأول / 20 أكتوبر 2020
 / 
01:03 ص بتوقيت الدوحة

من قصص الواقع (القدوة، الراحل قبل الرحيل)

مرسل الدواس
 1-17 حادَثَهُ وهو يعتصر أسى وألما حين قَدِمَ إلى المكان، ولم يجد من قَدِمَ لأجله. مضت سنون قبل تلك اللحظات، يزور المكان، ويتردد إليه، يجد فيه ضالته من القيم والتوجيهات الرصينة، التي كان يعجُّ بها ذلك المكان ويزخر، فقد كان مفعما بالحيوية، والجد والاجتهاد. لقد كانت تلك المؤسسة التربوية رأس الحربة في زرع القيم والخصال الحميدة، فضلا عن تميزها في تزويد العلوم والمعارف؛ حين كان اختيار كوادرها بيد قادتها. 
كان العاملون فيها يمارسون أعمالهم بكل دقة ومهنية، كانت تعمل كخلية نحل، حين يقدم إليها (القادم) يخامره شعور أنه قادم إلى صرح استثنائي، مختلف عما سواه في كل شيء، ويخال الزائر أنه قادم إلى جامعة متعددة الكليات، هي في الواقع مؤسسة تعليمية تربوية لتعليم الصغار اليافعين، ولكنها في ذات الوقت معقل لتدريب الكبار، وتأهيلهم وتطويرهم، وتنمية مهاراتهم من موظفين وأولياء أمور ومجتمع محلي. 
2-17 تلك المؤسسة التربوية المهيبة- التي ولجت إلى منتصف عقدها الثاني- كانت شعلة نشاط، كانت موئلا لكل الباحثين عن مكان يليق باحتضان فلذات أكبادهم...الطالب (خالد)- الذي يستقبل عامه الخامس عشر- واحد من هؤلاء؛ تعلق بذلك التربوي الأنيق، تربوي يقود تلك المؤسسة ويديرها بحنكة وحكمة واقتدار، تربوي من طراز رفيع، يحمل من الصفات ما يحمل، ينضح قيما، روحا، فكرا، شهامة، إنسانية...يتحرك ومعه تتحرك هالة من المهابة والعنفوان، في جنبيه ورع واجتهاد، وثقة، وثقافة، وتؤدة ، يمر على كل زاوية من زوايا ذلك الروض الأنيق، تجد له في كل زاوية بصمة، وعلى كل لوحة نفحة، وفي كل حدث لمسة وإضاءة. يحتضن المكان بين جنبيه، وفي جوانحه، ويُسَخّرُ كل جوارحه لخدمته والنهوض به...بناه وثلة من الأخيار بكل ما امتلك من طاقة ذهنية، وفكرية، وروح صاعدة وثابة، وحماسة تشتعل جذوتها كلما تقادم الزمن، وتوالى زحف الأيام والسنين. 
3-17 كان ذلك القائد التربوي يمتلك مهارة الإدارة والقيادة بشكل استثنائي، كامتلاكه تماما ملكة اختيار الطاقات والكوادر، التي كانت تحتضنها تلك المؤسسة، يرعاها بكل ما أوتي من طاقة، غرس في النفوس روح الولاء والانتماء للعلم، للمعرفة، للقيم، للوطن، نشأت تلك الكوادر في كنفه، وترعرعت في رحاب روحه المفعمة بالشموخ وبالكبرياء؛ حتى أضحت جنبات ذلك المكان ساحة تفيض بالروعة وبالجمال، واستحال ذلك الكيان إلى بيت للجميع، وإلى سكن معنوي فيه من السكينة والهيبة والوقار ما يعجز عن وصفه المداد، ألِفه العاملون فيه حتى أضحى لهم سكنا وموطنا؛ فسكن في وجدانهم وفي مشاعرهم، وأصبح غايتهم، وهدفهم، ووسيلتهم، منه يصنعون النشء، وفي زواياه يبنون الجيل الواعد...
4-17 وكما كان ذلك الصرح موئلا للعاملين فيه؛ كان موئلا لمن تخرجوا فيه، ووجهة للذين خرجوا منه، كلما حنّ الفؤاد للماضي الجميل قدموا إليه، كي يستزيدوا  منه بجذوة تلهب حماسهم، وبجرعات تنعش أرواحهم، وبقبس من عبق الماضي المهيب المضمخ بالكبرياء والمجد؛ ليمضي بهم نحو الآتي الألِق، ويمضون به نحو مرامهم، وما يطمحون إليه؛ زيارة ذلك الصرح، أو المرور به كان كافيا لاستعادة اتزانهم، وتمكينهم، وثباتهم، كان تذكُّر تلك الومضات كفيلا بجعل أبصارهم حديدا، وبصائرهم أكثر منعة وأمضى تسديدا، سواء أكانوا طلبة علم لايزالون على مقاعد الدراسة أم كانوا عاملين نهلوا منه أروع مشرب، واقتاتوا على ألذّ مطعم يتمنونه ويحلمون به؛ يمضون به إلى غاياتهم، ويستندون عليه في ملماتهم؛ يأتون إليه إن سمحت لهم الأحوال، وإن شحت أو ناءت بهم الأقدار؛ يمرون به كي تكتحل أعينهم بالنظر إلى أسواره عن قُرْب، وإن تعذّر القدوم تخيلوا صورته الوضاءة عن بُعْد، علّها تكفيهم مشقة النظر إليه عن قُرب؛ بتلك الآليات، التي يمارسونها من حين لآخر؛ يستمدون طاقة تنهض بهم؛ تحصنهم من تسلل الخور إلى النفوس، أو الدِعة، التي توهن بعضا من عزائمهم، وحسبها عزائم لمّا تزل في عنفوانها مُذ فارقوا المكان إلى المراحل التالية، إن كانوا طالبي علم، أو انتقلوا عنه إن كانوا من العاملين...
5-17 كان ذلك المكان ظلا، وفيئا، وإن ابتعدوا عنه وفقا لتتابع المراحل، التي كانوا يتمنون لو أنهم يقضونها جميعا في ظلاله الوارفة؛ لأنه كان محطة استثنائية في حياتهم، وكان هدفا لكل المريدين، وغاية لكل المتمردين على كل ما يخالف هوى الطامحين!...حين غادروه، أشبعوه مدحا، هُم، ومن خلفهم من آباء وأمهات؛ كلما دلفوا إلى محفل، أو سنحت لهم سانحة من وقت أو مناسبة، أمطروه ثناء، وأجهزوا عليه إطراء وإكبارًا وإجلالا...تجدهم يقتنصون السوانح في الصحافة، وفي الإذاعة، في التلفاز، في كل وسائل التواصل الاجتماعي...لقد بلغ -في مرحلة مضت- شأوًا تجاوز به حدود الوطن...كان ذلك بعزم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، صدقوا في وعدهم، حفظوا العهد، وأدّوا الأمانة؛ فكان التميز، وكان التفرد، وكان الاستثناء؛ حتى أصبح، وهُم جميعا حديث الساعة، كل لسان بهم لهجا، وكل منتدى بذكرهم وذكراهم فواحا عطرا، لهم في كل ندوة نصيب، وفي كل نادٍ ثناء من قريب ومن حبيب....
6-17 مرت السنون؛ فتغيرت الأحوال، وتبدلت المواقع، واستدارت الزوايا...وفي يوم من أيام ما بعد التحوُّل، الذي أتى على حين غرة، أتى ذلك المسكون بعشق ذلك المكان (المؤسسة)، فوجد الديار خالية من أهلها، بحث عبثا، لكنه لم يجرؤ على السؤال؛ خوفا من غير المتوقع، فلم يسأل أحدًا ممن قابلوه حين زيارته المعتادة، لا سيما حين بداية العام الدراسي، لم يسأل، إذ لم يخطر بباله أنّ غِيَر الزمان تفعل فعلها بهذه العُجالة، وبهذه الفُجاءة، ...حاول استعادة اتزانه، وقف هُنيهة، تنفس الصعداء، لعل أمرًا طارئا قد حدث؛ لا سيما في زمن (الكورونا)، التي تمناها في تلك اللحظات؛ لأن وقعها أخف وطأة من حسام الفراق الأبدي، أخذ يقنع نفسه، أنّ ما يخامره لا يعدو إلا طارقا من وهم، أو لونا من الوساوس والترهات، التي تنتاب الإنسان أحيانا، أو لعلها ضرب من الخبال، والتوهان، الذي يصيب الوالهين، أو لعله ضرب من خيال العاشقين، مرّ بتلك الحالة، ولسان حاله يردد: (وما حبُّ الديار شغفن قلبي، ولكنْ حبُّ من سكن الديارا)...
7-17 حلَّ الذهول حينما أدرك الحقيقة، لازمته قبضة في النفس، عاد القهقرى يجر أذياله، أصابته صعقة، صاحبتها رجفة هزّت كيانه...خيّم على النفس لون من الحزن...أصاب الجسد خور، والنفس انقباض، والمشاعر نكأتها الصدمة...استحضر صورة ابنه البرعم الصغير (خالد)، ظلت تلك الصورة تلوح في أفق ذلك المصدوم، تعتصر حناياه..لسان حاله يردد، ويتمتم، هذه حالي، فما حال صغيري (خالد)، ذلك الوليد، الذي نشأ وترعرع في ذلك المكان، واتخذ من ذلك الغائب مثلا وقدوة، يقلده في حركاته، وفي سكناته، يتقمص شخصه حين يمسك (ميكرفون الإذاعة) موجها حديثة الممشوق في بعض صباحات تلك الإذاعة المدرسية الأنيقة، يقلده حين يمر على قاعات الدرس، يبحث عنه في بعض فترات الفسح، أو عند لحظات الانصراف حين يمسك (الميكرفون) موجها، ومسددا ومرشدا...
8-17 (خالد) اعتاد توديعه كل يوم عند نهاية اليوم المدرسي، وفي فترة الانصراف، اعتاد لا يذهب مباشرة إلى الحافلة التي تقله إلى منزله، لن يذهب إليها دون أن يمر ويودع قدوته، الذي يمسح على رأسه هو، وأقرانه،  يداعبهم، يسألهم، يشجعهم، يثني عليهم، يصطحبهم حتى أبواب الحافلات؛ التي يبلغ عددها ثلاث عشرة حافلة...(خالد) من بين أقرانه حالته استثنائية، مجتهد، مهذب، متفوق، حافظ للقرآن، منافس شريف لأقرانه، يأتي لقدوته شاكيا إذا نقص في مادة من المواد الدراسية ولو (نصف درجة)!...الأمر الجلل، كيف يفاتحه (والده) بالأمر، وكيف يصارحه بالحقيقة المرة (غياب قدوته)، ومثله الأعلى، والحضن الدافئ، والقلب الرؤوم، كيف يبلغه بخبر الرحيل، تُرى ما هي ردة فعل ذلك الفتى اليافع النبيل، الذي يأسره أصحاب القيم، وأولئك الذين اتخذ منهم قدوة له...عام واحد يفصله للانتقال إلى المرحلة الدراسية التالية...
9-17 بالتأكيد إن عَلِمَ بالخبر الصاعق سوف يصاب بما لا تحمد عقباه، وسوف يتمنى لو أن عامه هذا أصبح يوما أو بعض يوم!، تهون الصدمات، وتكون أخف وطأة من أن ترى المكان خاليا ممن كان لك ملاذا وموئلا، ممن كان سكنا تلوذ به، وملهما تقتات من مزاياه، وتعتاش على نُبله ومثاليته، ممن كان يشكل لك مصدرا تنهل من شمائله. أيُّ فراق أقسى من فراق من كان لك موئلا وسكنا، لقد غاب القدوة، الذي تستظل به تلك الطفولة البريئة، وتستكن في ذراه تلك الروح الصافية. كان (خالد) الذي يلهج بقدوته صباح مساء أمام والديه وأقرانه، كان وجود قدوته في ذلك المكان (المؤسسة التربوية) مصدر فخر واعتزاز وإلهام له....غادر الوالد المؤسسة حسيرا كسيرا، دلف إلى منزله، اجتمع بزوجته، صارحها بالخبر (رحيل القدوة)، كانت الصدمة عنيفة على الأم؛ لأنها كانت قريبة من وليدها، تعرف خبايا نفسه، وتعي حجم تعلقه، ومدى ارتباطه بقدوته. هو ليس معلمه بالفعل؛ لكنه معلمه وأستاذه بالقوة - على حد قول المناطقة- نعم، أستاذه في الإلهام، في العنفوان، في القيم، في الطموح، في الأسلوب، بالحجاج، والإقناع والمنطق والأناقة والألق، والعلم والمعرفة، هو ذو منصب رفيع في تلك المؤسسة، التي يدرس فيها (خالد)؛ لكنه إنسان من لون آخر، ومن طراز فريد....
10-17 هاتف (والد خالد) الأستاذ التربوي القدوة والغائب الحاضر، هاتفه والحسرات تعصر نياط قلبه؛ هاتفه للاطمئنان عليه وشكره لما قدّم للمؤسسة، وإلى خالد طوال وجوده فيها، هاتفه لاستيضاح الحقيقة، ومناقشته إن تأكد خبر رحيله؛ لتدبير طريقة، وإيجاد مخرج للمأزق، رغبة في إخراج ابنه من وَقْعِ الخبر، فالحدث جلل! والخشية تساور الأب من احتمال الوقع الأليم، والوالد يسابق الزمن كي يجد حلا؛ في محاولة لتجنيب ابنه هول الصدمة...تناول الوالد هاتفه، بقلب محزون، ويد راجفة، والأمل يحدوه ببصيص يزيحُ همّه، ويُخفف وطأة ما رأى وما سمع....رنّ الهاتف، ردّ التربوي على مكالمة والد الطالب، أهلا، حيّاك الله أبا خالد، كيف حالك؟، كلي شوق لسماع صوتك، لقد طال مدى العطلة الصيفية. أراد التربوي إخفاء الأمر في بادئ الأمر؛ لكن والد خالد أمطره بالأسئلة المتتالية، وكأنه ضابط تحقيق، متسائلا، مستفسرا، ومستوضحا، ومتحققا، رغم يقينه بالنتيجة والرد الحتمي. 
11-17 تحدث والد خالد، مخاطبا (التربوي القدوة)، زميلي الفاضل، ما هذا الخبر؟، هل أنا في حلم أم في علم؟!...أتاه الرد: نعم، أنت في علم، والخبر كما سمعت، وكما نمى إلى علمك، وكما رأيت بأم عينيك، حين زرت المؤسسة. نعم، أبا خالد، هذه هي الحقيقة، التي لا مفر منها...وهذه هي سنة الحياة، وهذا حال الأيام وسنة التغيير والتبديل، وقانون التداول!...أجاب الأب: نعم، أستاذي أدرك ذلك، وأؤمن به، ولكن مشكلتي مع ولدي (خالد) كيف أصارحه بالحقيقة!...فهو لا يرى سواك في ذلك المكان..أنت الوتد، وأنت الملاذ، وأنت مصدر الإلهام...
عندها طلب من (التربوي القدوة) حلا لموضوع خالد؛ مبديا رغبته، طالبا منه الحديث مع (خالد)؛ لإقناعه، وتهدئته، وإثارة الحماس فيه، وتهيئته لتقبل مثل هذا التطور الصادم في حياته؛ والذي يعد مفصليا بكل المقاييس، لا سيما في مثل هذه المرحلة العمرية...
أبلغ التربويُّ القدوةُ الأبَ، بسعادته لتنفيذ طلبه في الحال، وأردف أنّ الذين تأثروا بالحدث مثل (خالد) كُثُر، وما حلّ بهم حلّ بأهليهم، ولكنْ لا بد من التعايش، وتقبّل الواقع، والرضا بالمقادير ...
12-17 تحدث (التربوي القدوة) مع (خالد) بأسلوبه الرشيق المعهود، كان حديثا بليغا، معبرا ومؤثرا، لامست كلماته وجدان (خالد) وروحه، أيقن أنّ الصدمة عنيفة، وتحتاج وقتا؛ لإخراج خالد من سطوتها. حاول التربوي تخفيف هول الصدمة قدر المستطاع، سرد له بعض القصص والحكايات والأحداث...أكدّ له على أهمية التواصل معه، وأنه مثل والده، سيقف معه ومع والده وأسرته؛ لن يتركه أبدا. وهو بالتأكيد لن يتركه، الأمر يتعلق بمواهب خالد وذكائه وقدراته العالية، وهو أمر يحتم على الجميع تلقف هذه النماذج واحتضانها كمشاريع مستقبلية؛ جديرة بالعناية والاهتمام. إذن اهتمام التربوي لم يكن هدفه فقط تهدئة الخواطر، وامتصاص الصدمة؛ بل هدفه أبعد من ذلك، فالعلاقة مع خالد علاقة تتجاوز حدود الزمن والمراحل الدراسية الأولى؛ لأن التربويَّ موقنٌ أنّ (خالدا) مشروع واعد، ولا بد من احتضانه، وتوفير كل السبل، وتذليل كافة التحديات، التي تحول بينه وبين تطلعاته؛ ليشق طريقه بعيدا عن المنغصات، والعوائق، ولا بد من العمل سويا لتحييد الأجواء السلبية عنه، وتوفير كل ما من شأنه يجلب السكينة، ويستحضر الهدوء ويزرع الثقة في نفسه؛ لأن زرع الثقة سلاحٌ في مواجهة الأحداث الصادمة، وعلاجٌ ماضٍ في انتشال من يقعون في مثل هذه المواقف الحرجة...
13-17 أخذ التربوي يتواصل مع (خالد ووالده) في الأسبوع مرة أو مرتين؛ وهي آلية كفيلة بتخفيف تبعات الحدث، وإخراج الطالب المصدوم من هول صدمته...
في إحدى المرات أخبر والد خالد التربويَّ القُدوةَ أن ابنَه يبحث عن قصيدة تليق بقدره وبقامته السامقة؛ فخالد ووالده والقدوة يعشقون جميعا الشعر واللغة والأدب...أدخل هذا الخبر السرور إلى نفس الأستاذ؛ مدركا صفة الوفاء والنبل في التلميذ الذي يراهن عليه وعلى مستقبله ونبوغه، وهو صاحب التجارب السابقة مع النابهين والنابغين، الذين تتلمذوا على يديه وبلغوا مراتب علمية مرموقة، ومناصب عليا..ظلّ خالد منهمكا في البحث عن ضالته؛ حتى وقعت عيناه على أبيات انتقاها من قصيدة عصماء للشاعر الكبير (أبي تمام) أجازها والده، معلم اللغة العربية!...
14-17 يقول الوالد: إن خالدا حينما وجد هذه الأبيات، صرخ بصوت اهتزت له أركان المنزل: أبتاه، أمّاه، وجدتُها، وجدتُها، هاتفا بلغته العربية الجميلة، وبصوت هادر بلغ صداه عنان السماء؛ دفعه الحماس- في تلك الحظات وبشكل عفوي ودون أن يدري- إلى الصراخ باللغة الإنجليزية، رافعا قبضة يده، التي تكاد تحطم قيود هول الصدمة، وجدتُها (Yes) (Yes)!...ألهبت الأبيات مشاعره، وأثار الشوق والحماس لواعجه، وناغمت روحه المنكفئة والمكلومة- في تلك اللحظات- المعاني الفياضة لتلك الأبيات، التي انتقاها، بعد أن هَدَتْه إليها ذائقته؛ حتى ظنها ملحمة شعرية كبرى؛ لأنها اختزلت ما يجيش في جنبات نفسه التواقة إلى قبول أستاذه ورضاه، العاشق للغة الضاد كتلميذه. هدأت نفس ذلك البرعم المتيم بأستاذه القدوة...
15-17 بعدها هاتف خالدٌ أستاذَه، متحدثا بصوت خجول ممزوج بالفخر والإكبار والإجلال، مرددا: عذرا أستاذي وقدوتي، أطال الله عمرك، وأبقاك ذخرا وسندا، لقد بحثت بمساعدة والدي فوجدتُ أبياتًا للشاعر الكبير (أبي تمام) تحكي وتحاكي ما نحن فيه من ألم، اقتطعتها من سياقها كمرثية، (وتصرفت في بعض مفرداتها بمساعدة والدي؛ إذ وضعنا ما تصرفنا به بين قوسين مع الاحتفاظ بالوزن العروضي). وقع اختياري على تلك الأبيات المشحونة بالحزن من تلك القصيدة البكائية الفارهة، المضمخة بالمجد والشموخ، التي أعطت من قيلت فيه حياة أخرى، وجعلته أطول عمرا، وهو الراحل قبل أوان رحيله، لقد اخترت تلك الأبيات؛ لأن جوها الحزين يناسب الحدث...
16-17 فقال الأستاذ: هاتِ ما عندك يا خالد، فأنشد تلك الأبيات الثلاثة (وبتصرف)، وهي من قصيدة رثى بها أبو تمام القائد محمد بن حميد الطائي، الذي استُشهِد في إحدى معارك الخليفة المعتصم بالله ضد الروم، والتي قال الخليفة حين سمعها- وهي تعد من عيون الشعر العربي- قال: والله الذي لا إله إلا هو، وددتُ لو أني أنا المقتول، وقيلت فيّ هذه القصيدة، أما الطالب خالد فأنشد الأبيات المنتقاة، وأستاذه منصتا بفخر مصحوب بإمعان:
كَذا فَليَجِلّ الخَطــــــبُ وَليَفدَحِ الأَمرُ 
                    فَلَيسَ لِعَينٍ لَم يَفِضْ ماؤُها عُذرُ
(لقـــد كنتَ نبعا يروي من كان ظامئا)
                    وَذُخراً لِمَن أَمسى وَلَيسَ لَهُ ذُخرُ
علــــــــيك سَـــــــلامُ اللهِ (منّي) فإنّني 
                    رأيتُ الكريمَ الحـــرّ ليس له عُمرُ
17-17 إثرها خاطب الأستاذ القدوة (خالدا) شاكرا له طيب المشاعر، وصفاء النفس ووفاءها، قائلا: أحسنت يا (خالد)، حفظك الله ورعاك. نعم، البعد والفراق أقرب إلى الموت منه إلى الحياة، ومن حقك يا خالد استدعاء هذه المرثية الخالدة؛ لكن عتبي على زحف الأيام والسنين، التي ما انفكت تقصينا عن محافل البذل، وعن أروع المواقع، وأقدس المهمات، ونحن لمّا نَزَلْ في ريعان العطاء!، والعتب موصول إلى من تلتبس عليهم الأمور، فيظنون أن بلوغ عمر بعينه نهاية المطاف!...رحم الله الشاعر الكبير أبا تمام، الذي رسّخ مبدأً غاب عن أذهان الكثيرين:
                 رأيتُ الكريمَ الحرّ ليس له عُمرُ
سلاما لخالد، على خالد، وإلى من أنجبه، وعلى من أنجبه، سَلامٌ على الأوفياء، وإلى الأوفياء!\\