الجمعة 12 ربيع الثاني / 27 نوفمبر 2020
 / 
05:51 م بتوقيت الدوحة

مصر وتركيا.. هناك فرق!

أسامة عجاج
حالة من النشوة والفرح الممزوج بالتشفي سادت أوساط النخبة المصرية، التي أصبح الكثيرون يطلقون عليها «النكبة»، بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات النيابية التركية، الأمر ظهر بوضوح في مقالات الصحف وتغطياتها الإخبارية في برامج التوك شو، وفي التعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، ومعظمها -إلا من رحم ربي- تنم عن جهل واضح، ومن ذلك الذي كتبه أحدهم مستهزئا: «أردوغان يترنح. والانقلاب ثابت»، بالطبع هو لا يقصد وصف ما حدث في مصر بأنه انقلاب. وآخر يكتب كاشفا عن نرجسية مصرية شديدة: «عندما تعطس القاهرة يصاب العالم بالبرد»، وهي الرؤية التي تسيطر على كثير من المصريين، وتعتبر أن مصر هي محور الكون وليست دولة مهمة ومحورية من دول المنطقة بحكم تاريخها وإمكانياتها البشرية، ويتمسك بنظرية المؤامرة الكونية على مصر وقياداتها، ناهيك من الحديث عن أن الانتخابات ونتائجها هي عقاب من الشعب التركي لأردوغان وحزبه على موقفه من دعم الإخوان، ومعارضته للنظام في مصر بعد 30 يونيو 2013، متوقعا تغييرات جذرية في السياسية الخارجية التركية تجاه مصر وسوريا والإسلام السياسي.
ويبدو أنه من الضروري، طالما كان ذلك هو توجه النخب المصرية تجاه الانتخابات البرلمانية التركية، فهم من فرضوا المقارنة بين مصر -التي عرفت الدساتير والمجالس النيابية منذ نهاية القرن التاسع عشر- وبين التجربة التركية. وللأسف الشديد الأمر لن يكون لصالح الحالة المصرية على الإطلاق، فنحن أمام تجربة ديمقراطية تركية متكاملة لا تختلف في مضمونها عن أعرق الديمقراطيات في العالم، سواء من أجواء التنافس بين كل الأحزاب والتيارات السياسية، والنزاهة في كافة الإجراءات المتصلة بالانتخابات، والبعد كل البعد عن أساليب التزوير، والقبول بالنتائج من جميع الفرقاء، وبداية دراسة أسباب ما حدث سواء الإخفاقات أو الانتصارات. نحن أمام نظام ديمقراطي مستقر، بعد تجربة صعبة مرت بها تركيا من سيطرة المؤسسة العسكرية، ودخول البلاد في معترك الانقلابات العسكرية في السبعينيات والتسعينيات من القرن الماضي.
نحن أمام انتخابات رئاسية في موعدها المقرر تمت في أغسطس الماضي، فاز بها الرئيس رجب طيب أردوغان بنسبة %52، وهو المعدل المتعارف عليه في كل ديمقراطيات العالم بعيدا عن الهوس بالأرقام القياسية التي لا تسمع عنها إلا في الديكتاتوريات التي تسعى إلى البحث عن «ساتر عورة ديمقراطي»، وتخرج فيها النتائج بـ%100، أو أقل قليلا على سبيل التواضع، بعد استخدام كل إمكانيات الدولة، وتدخل الإدارة، وعوامل التزوير، والكثير منها مبتكر. وفي الموعد المحدد سلفا منذ سنوات مضت، تبدأ الانتخابات البرلمانية وهو ما حدث مؤخرا في تركيا، وتظهر النتائج ليتم تمثيل أربع كتل حزبية كبيرة في البرلمان: التنمية والعدالة وهو الحزب الحاكم حصل على 258 مقعدا من أصل 550 هي عدد مقاعد البرلمان، ليفقد الأغلبية ولكنه يتصدر بقية الأحزاب، رغم أنه فقد نسبة %10 من الأصوات التي حصل عليها في انتخابات 2011، وحزب الشعب الجمهوري وحصل على 132 مقعدا، والحركة القومية، أما حزب الشعوب الديمقراطي الذي يمثل الأكراد «حصان الانتخابات التركية الأسود» و «رمانة الميزان» في الفترة القادمة ويشارك لأول مرة بفضل سياسيات رجب طيب أردوغان، وخطط حزبه في دمج الأكراد في الدولة التركية بعيدا عن المطالبة بالانفصال، فقد حصل على 80 مقعدا، واجتاز حاجز الـ%10 من الأصوات، ليتم تمثيله في البرلمان.
ومن المهم هنا، وفقا لكل التقارير، أن نشير إلى أن كل ما جرى في تركيا ونتائج الانتخابات يتعلق بالأساس بقضايا داخلية تهم الناخب التركي، دون أي تأثير لمواقف خارجية أو سياسات الحكومة تجاه الأوضاع الإقليمية والعربية، وهي عادة لا تشغل كثيرا بال الناخب في كل دول العالم، وما حدث يتعلق ببروز قوى جديدة في الساحة السياسية هي الأكراد، وقد أدار المسؤولون في الحزب الحملة الانتخابية بمنهج قومي بعيدا عن الانتماء العرقي، وكذلك تحفظ جهات عديدة على السعي إلى تغيير طبيعة النظام السياسي في تركيا من برلماني إلى جمهوري بعد تعديل للدستور الذي يستلزم الحصول على ثلثي أعضاء البرلمان، أو طرحه على الاستفتاء الشعبي الذي يحتاج على أقل من ذلك بقليل، وهو ما كان يسعى إليه الرئيس رجب طيب أردوغان. يضاف إلى ذلك تباطؤ النمو الاقتصادي، وتراجع في سعر الليرة، مع استمرار الاقتصاد التركي في المرتبة الـ18 على مستوى العالم، إذاً ما حدث هو عمل ديمقراطي بامتياز، أحزاب تتقدم، وأخرى تتراجع، في ظل تنافس حر.
ومن المؤلم -على الأقل لأي مصري- المقارنة بين التجربة التركية والواقع المصري، فنحن أمام ثورة شعبية متكاملة في 25 يناير 2011، أثمرت عدة استحقاقات انتخابية، ومنها ما يخص انتخابات مجلس الشعب، والشورى، وثالثة رئاسية، الأول تم حله بقرار من المحكمة الدستورية، والثاني تم إلغاؤه بعد 30 يونيو 2013 حيث تم تعليق عمل مجلس الشورى والقبض على رئيس الجمهورية المنتخب في انتخابات نزيهة، باعتراف الرئيس عبدالفتاح السيسي نفسه في مؤتمره الصحافي في ألمانيا، وبعدها بثلاثة أيام تم الإعلان عن خريطة طريق، وبدء مرحلة انتقالية من أصحاب القرار في ذلك الوقت، دون جبر أو إكراه من أحد، حتى تلك لم يحترم فيها شيئا، لم يتم الالتزام ببنودها، أو التوقيتات التي تم تحديدها، قالوا بتعديل بعض مواد الدستور فتحول الأمر إلى دستور جديد، وأصبحت مصر الدولة الوحيدة في العالم التي صاغت دستورين في عامين. أكدوا على إجراء الانتخابات البرلمانية ثم الرئاسية فتعدل الترتيب وجرت الثانية، أما البرلمانية فموعد إجرائها عند ربي، آخر تصريحات عبدالفتاح السيسي أنها في نهاية هذا العام، رغم أن تصريحات مماثلة قيلت قبل ذلك عن مواعيد سابقة لم يلتزم بها أحد. قانون انتخابات متعثر، ما بين وزارة العدالة الانتقالية ومجلس الدولة، مع تغيب تام للأحزاب السياسية، والأخيرة معظمها كرتونية لا وجود لها في الشارع، عبارة عن دكاكين أكثر منها عملا جماهيريا وتواجدا سياسيا في الشارع، بعد حوالي 40 عاما من بدء التجربة الحزبية في مصر منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي، وآخر البدع التي لم يسمع بها أحد إلا في مصر، تلك الدعوة إلى التوافق بين الأحزاب على قائمة موحدة بينهم تخوض الانتخابات وتضمن الفوز، لمنع الإخوان والتيار الديني -رغم أن معظم قياداته في السجون- من التسلل إلى مقاعد البرلمان، وهو أمر منافٍ تماما لكل الأعراف الديمقراطية، وأقرب ما يكون لعملية «تقسيم تورتة» وليس تنافسا شريفا بين تيارات وأحزاب كل منهم يحاول كسب ثقة الناخب من خلال رؤية وبرنامج للنهوض بمصر.
ولا أجد ما أنهي به ذلك المقال سوى التمني أن يتواضع بعض المصريين قليلا، وأن ندعو جمعيا ونتضرع إلى الله أن نكون مثل تركيا بتجربتها الديمقراطية، ويصبح لدينا انتخابات نزيهة بمشاركة الجميع دون إقصاء لأحد، تحظى باهتمام الجماهير المصرية، يفوز من يفوز، ويخسر من يخسر.

usama.agag@yahoo.com •

اقرأ ايضا

سيناء المنسية..!! (1-2)

17 يناير 2013

الجرائم الخمس!

27 يوليو 2013

بشرة خير

11 مايو 2013

اختراع مصري!

16 نوفمبر 2013

للعدالة وجوه أخرى!

12 ديسمبر 2013

المتحولون..!!

25 يونيو 2014