الأربعاء 10 ربيع الثاني / 25 نوفمبر 2020
 / 
08:38 م بتوقيت الدوحة

عالم «السناب»

د. زينب المحمود

نبدأ يومنا وتكثر لقطات البشر الذين وجدوا من عالم السناب مفزعاً لنشر خلجاتهم وحياتهم التي تكون إما واقعاً يتمنونه، أو خيالاً عاشوه مقلباً مع أنفسهم، فنجدهم شتّى، فمنهم من يضع صوراً لمنشورات تمس ذواتهم من عبارات إيجابية لامستهم، أو عبارات يردّون فيها على أناس لم يستطيعوا البوح لهم، أو رسائل كالسهم في قلب المعنى لمن ظلمهم وقهرهم، أو معلومات أعجبتهم يفيدون فيها غيرهم، فضلاً عن تلكم التي لا تعني شيئاً بتاتاً، فهي ومضات وصيحات وشعارات لا حصر لها فحسب، ولا تعني سوى ردود فعل لنفوسهم التي أًرهقت ولم يستطيعوا تجاوزها، فضلاً عن أكواب القهوة التي بردت حتى تلتقط كاميراتهم الوضعية المناسبة، والوجبات الشهية، والملابس الأنيقة والأماكن الجميلة.... وغيرها. وللأسف، تكثر قصصهم عنهم وعن أهل بيتهم إلى درجة أن همهم طوال اليوم هو السناب الذي سرق وقتهم، فهم يعيشون بغير حقيقتهم، وينتهي اليوم وهم لم يعيشوا الحقيقة والواقع بكامل تفاصيله وشعوره.
ويبدأ يومهم الجديد وهم في الحكاية نفسها التي لا تنتهي حتى إذا داهمهم الوقت، ومضت الأيام، ووقعوا أُسارى تقلب المشاعر، فلا هم يتوقفون ويكفّون عن النشر، ولا هم يستمرون باتزان ورتابة، ليحفظوا أنفسهم من خطر التتبع لهم... إلى أين ستنتهي حكاية السناب؟!
هل القصد نفع الآخرين ومنفعتهم؟ هل النية بقرب من حولنا والتعايش معهم؟! هل هي عادة وروتين؟! على أي حال، هل نجد أن هذا الأسلوب من أساليب التواصل البشري مجدياً ويجلب الخير والفائدة، أم أنه تضييع للوقت فحسب؟! 
تساؤلات كثيرة يمكن طرحها، لكن الأجدر أن نوضح لأنفسنا ولغيرنا أن الاستمرار بعالم السناب سيجلب كثيراً من المتاعب، وربما جلبه لنا دون أن نعرف أنه السبب:
فالأصل هو الستر والتحفّظ، والصحيح هو الكتمان، والسليم هو التوازن في النشر والتواصل؛ لأن المبالغة والإكثار من سرد اليوميات قد يجلب المشاكل التي باتت لا تفارق أي مدمن للسناب؛ لأن حياته مرهونة بالتقاط اللقطة المناسبة للشاشة، ووضع الرسالة الموحية.
لنتأمل قليلاً كم من البيوت هُدمت وتُهدم يومياً بسبب السناب، لكثرة سوء الفهم، إضافة إلى الحسد والحقد اللذين قد يتولدان، وسوء الظن. ولا يخفى علينا كثير من القصص في البيوت التي تعرّضت لقطع الأرحام، والطلاق، وفراق الأصدقاء بسبب هذا السناب.... آااه يا لها من فتنة فُتن فيها البشر! ويا لها من وسيلة لم يحسن استخدامها! قد يقول أحدكم: هناك سنابات ممتازة ومفيدة وتحقق أهدافاً إيجابية، وقد غيرت حياة كثير من الناس، لكن الأغلب، وبلا شك، لم يستخدمه جيداً، فصار مدمناً لنشر نفسه وعرضها، وعرض عائلته ومشاعره ومواقفه. نحتاج فقط إلى وقفة تأمل، ونجرّب يومنا بلا سناب ونعيشه كما هو ونغلق أبوابنا، ونغطي أسرارنا، ونشرب قهوتنا، ونأكل وجبتنا، ونلبس ملابسنا من دون أن نعرضها على مرأى الجميع، ففي ذلك خير كثير، بل كل الخير والحكمة والوعي. والخيار والقرار في ذلك لنا، ويكفي ما مضى، ولنتحرى التوازن في تصرفاتنا لنعيش حياة كريمة، ونستمتع بجميل العيش الرغيد الذي قد يسلبه السناب المبتذل الذي بات شبحاً مسيطراً، فالسناب وسيلة تواصل مهم لمن أحسن التعامل معه فقط، وما عدا ذلك فهو مضيعة للوقت وإهدار للعمر.

اقرأ ايضا

كن ظافراً

24 يونيو 2018

مفاتيح المعرفة

14 يوليو 2019

عالم البوتقة

07 مايو 2017

لحظات الإبداع

03 فبراير 2019

بصيرة بشّار

23 فبراير 2020