الخميس 18 ربيع الثاني / 03 ديسمبر 2020
 / 
04:41 ص بتوقيت الدوحة

كيف يُفضي استخدام الدولار سلاحاً إلى نتائج عكسية؟ (2-2)

جيفري فرانكل
عندما أشاع وزراء الحكومة البرازيلية استخدام عبارة «حرب العملات» في الفترة 2010-2011، كانوا يتهمون الولايات المتحدة وغيرها من الدول بالسعي إلى خفض القيمة التنافسية. وفي وقت لاحق، تعهّد وزراء مالية مجموعة الدول السبع ومحافظو بنوكها المركزية في عام 2013 بعدم استهداف أسعار الصرف، الذي كان من المفهوم أن يشمل قيام المسؤولين إما «بخفض قيمة عملات بلدانهم من خلال تصريحات وأحاديث» وإما بملاحقة تدابير التحفيز النقدي في محاولة متعمدة أو واضحة لخفض قيمتها.
الواقع أن الدولة الرئيسية الوحيدة التي انتهكت اتفاقية 2013 لم تكن الصين؛ بل الولايات المتحدة؛ فقد انخرط الرئيس دونالد ترمب مراراً وتكراراً في «تدخّلات لفظية» لخفض قيمة الدولار من خلال تصريحاته. الأمر الأكثر إزعاجاً أنه مارس ضغوطاً فظّة على مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي لحمله على خفض أسعار الفائدة بهدف واضح يتمثل في خفض قيمة العملة.
على النقيض من ذلك، يربط المتخصصون في العلاقات الدولية عادة بين ممارسة القوة الجيوسياسية والعملة القوية. ولهذا السبب، يسلّط بعض المراقبين الضوء على الخطر المتمثل في احتمال قيام الصين بـ «مهاجمة» أميركا من خلال التخلص من مخزونها الهائل من سندات الخزانة الأميركية، ومن ثم دفع الدولار إلى الانخفاض ورفع تكاليف الاقتراض للحكومة الأميركية. وهذا من شأنه أن يعمل على رفع قيمة «الرنمينبي»، ومن ثم تكون النتيجة عكس خفض القيمة التنافسي.
على نطاق أوسع، عندما تدير دولة ما عجزاً مزمناً في الميزانية والحساب الجاري، فإنها تقوّض بذلك قوتها الجيوسياسية- كما أظهرت المملكة المتحدة على مدار القرن العشرين. لقد ورثت الولايات المتحدة «الامتياز الباهظ» الذي كان للملكة المتحدة؛ فهي قادرة على تمويل عجزها بسهولة لأن الدول الأخرى تريد الاحتفاظ بالعملة الدولية الرائدة على مستوى العالم. أخيراً، يشير تحويل الدولار إلى سلاح في عموم الأمر إلى استغلال الحكومة الأميركية للهيمنة العالمية التي تتمتع بها عملتها من أجل توسيع نطاق القانون الأميركي والسياسات الأميركية إلى خارج حدودها. وأبرز مثال على ذلك كان العقوبات الاقتصادية التي فرضتها إدارة ترمب على إيران في محاولة لمنعها من استخدام النظام المصرفي الدولي، وبشكل خاص نظام «سويفت».
حتى قبل أن توافق إيران على وقف برنامج الأسلحة النووية بموجب الاتفاق النووي لعام 2015، كان الأوروبيون يتذمّرون من حين لآخر بشأن التوسّعية الأميركية، وكانوا يشكّون في أن الولايات المتحدة ربما تكون أسرع في فرض عقوبات ضخمة على البنوك الأوروبية من نظيرتها الأميركية بسبب انتهاك العقوبات. ولكن لأن ترمب ألغى اتفاقية لم تنتهكها إيران، فإن فرض عقوبات أميركية عبر نظام «سويفت» يشكّل إساءة حقيقية للامتياز الباهظ. وربما لم يعد من الممكن تبريره باسم المصلحة العامة العالمية.
في مواجهة العقوبات الأميركية، حوّلت روسيا احتياطياتها من الدولارات في عام 2018 وهي الآن تبيع نفطها بعملات غير الدولار. على نحو مماثل، ربما تنجح أوروبا أو الصين في تطوير آليات دفع بديلة تسمح لإيران ببيع بعض نفطها. وهذا بدوره ربما يقوّض الدور الذي يلعبه الدولار في الأمد البعيد.
في عموم الأمر، لا تزال السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب تتعارض مع أهداف أميركا التقليدية في فترة ما بعد الحرب. قد يبدو هذا الاحتمال بعيداً؛ ولكن إذا تخلّت الولايات المتحدة بإهمالها عن قيادة النظام العالمي المتعدد الأطراف، فقد يخسر الدولار في نهاية المطاف صدارته التي احتفظ بها لفترة طويلة.