السبت 22 رجب / 06 مارس 2021
 / 
02:57 م بتوقيت الدوحة

نبيل العربي.. يا حيف

إياد الدليمي
لعل واحدة من أكبر منح الثورات للشعوب العربية، ليس في إسقاط الأنظمة القمعية المستبدة وحدها، وإنما في إسقاط الأقنعة والكشف عن وجوه طالما تفننت في الاختباء خلف ألوان وأصباغ شتى، وتمكنت من الركوب على ظهر الشعوب العربية، مدعية مناصرتها، هي في حقيقة الأمر كانت عبارة عن أداة بيد هذا النظام أو ذاك، ممن صنعتهم الأنظمة وجعلت منهم معارضين لبعض سياساتها والمحصلة هي خدمة الأنظمة لا خدمة الشعوب. عندما جاءت الثورة المصرية برياحها العاتية واقتلعت عائلة مبارك وبعض رموزه من أماكنهم، جاءت الحكومة الثورية برئاسة عصام شرف لتبشرنا أن حقيبة الخارجية ستذهب إلى الوطني نبيل العربي، بعد سنوات من الوجه الممل والمكروه لدى الشعوب العربية أحمد أبو الغيط، وراح الإعلام المصري، بشقيه الثوري والفلول، يطبل ويزمر للعربي، وفجأة وجدنا أنفسنا أمام خطاب مغاير لخطاب أبو الغيط، ووعود بفتح معبر رفح ومساعدة أهالي غزة، ثم جاءت ما اعتبرها البعض سقطة العربي الأولى، عندما أعلن عن استعداد مصر لإعادة العلاقات مع إيران، مع ما تمثله هذه الدولة من غصة في نفوس الكثيرين من العرب، وما هي إلا أيام حتى ألقى الأمن المصري القبض على دبلوماسي إيراني بتهمة التجسس. وبعد شد وجذب، وجد العربي نفسه أمينا عاما للجامعة العربية، خلفا لعمرو موسى، وهنا راح البعض يتحدث عن أن هناك مؤامرة لقتل العربي سياسيا في مدفن الجامعة الشهير، وأن الجامعة سوف تضع حدا لطموحات العربي الذي كان يمكن أن ينقل الدبلوماسية المصرية إلى أفق جديد، كما ظن البعض، فكانت سوريا الاختبار الحقيقي الأول للسيد العربي. التزم العرب الصمت حيال ما يجري في سوريا، وكأن وليد المعلم وزير خارجية نظام دمشق صدق عندما قال في مؤتمر صحافي قبل نحو شهر: إن الدول العربية «دون استثناء» تدعم نظام البعث بقيادة بشار الأسد. وفجأة ودون سابق إنذار يطير السيد العربي، ممثل العرب إلى دمشق، دمشق النازفة موتا وقمعا واعتقالا وعسكرا وشبيحة وأجهزة أمن وحرسا ثوريا إيرانيا وميلشيات حزب الله، دمشق التي خرجت لتتنسم ربيعها، مثلها مثل تونس والقاهرة. وهناك سقط العربي بشكل نهائي، ودفن في دمشق سياسيا ولم يعد هناك من عاقل يمكن له أن يغفر له ما قاله بعد لقائه الأسد. كنا نتأمل فعلا أن نجد الجامعة العربية بعد الثورات وبعد أن تسنّم مهمتها السيد نبيل العربي، بشكل مغاير، يختلف عن منظرها المألوف طيلة عقود، وأن تخرج لنا الجامعة بشكل مغاير يطوي معه سنوات من الصمت والاستنكارات والإدانات، وأن تتمكن من الخروج من عباءة الأنظمة، خاصة أن أغلب الأنظمة العربية تعيش أزمتها مع شعوبها. كنا نطمح أن نرى ديناميكية جديدة تنتصر للشعوب العربية، صانعة الثورات، وأن تكون فعلا بمستوى طموح الدماء التي نزفت في شوارع تونس والقاهرة وتعز وبنغازي ومصراتة وحماة وأدلب ودير الزور، بمستوى دموع الأمهات اللواتي قدمن فلذات أكبادهن ثمنا للحرية، ولكن خاب الأمل ومات الرجاء! لقد حاول العربي بعد لقائه الأسد أن يقفز فوق دماء الشهداء، وأن يداهن النظام إلى حد الانبطاح، وأن يمهر رصاصات الشبيحة -وهي تنطلق صوب صدور المتظاهرة العارية- بمهر الجامعة العربية، وكأنه يقول للسوريين: ليس لكم الحق أن تصنعوا ربيعكم، ليس لكم الحق أن تستردوا كرامتكم. انتهى العربي، وانتهت معه حتى أمنية رؤية جامعة عربية تنتصر للشعوب لا للحكام، وصدق من قال إن هذه الجامعة وجدت لخدمة الحكام وليس لخدمة الشعوب، فبالنهاية، الأنظمة هي من سيدفع راتب السيد العربي وبن حلي وجوقة الموظفين. يا حيف يا سيد العربي، فلقد خنت دماء الشهداء في أرض الشام!

اقرأ ايضا