السبت 7 ربيع الأول / 24 أكتوبر 2020
 / 
12:55 ص بتوقيت الدوحة

خذوا الرقمنة وامنحونا الحياة

سحر ناصر
من يتحكم بالتكنولوجيا يتحكم بنا، أحببنا هذه الحقيقة أم كرهناها. التكنولوجيا مفروضة علينا من كل حدب وصوب، فأصبحنا أرقامًا ضمن أنظمة رقمية سواء في أماكن عملنا عبر أرقامنا الوظيفية أو بطاقتنا الشخصية والائتمانية، وحتى صورنا وذكرياتنا أصبحت رقمية نخزنها في جهاز ذكي، يتحكم بحياتنا من خلال خدمات افتراضية، هدفها أن نثبت لأصحاب الشركات العابرة للقارات أننا ارقامًا ما زلنا على قيد الحياة. 
الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت- الذي لم يكن يمتلك جهازاً ذكيًا-وهو فيزيائي وعالم رياضيات - أنه:" يجب النظر إلى كل ما يمكن أن يوضع موضع الشك على أنه زائف"، وفي نظرية هذا الرجل الذي لقبّ بـ"أبو الفلسفة الحديثة" أنه كلما شكّ المرء فيما حوله ازداد تفكيره، وكلّما ازداد تفكيره أيقن أنه موجود، وتوصل ديكارت الذي يعدّ إلى يومنا هذا نواة الثورات العلمية إلى خلاصة مفادها:" أنا أفكّر إذن أنا موجود".
إلى رينيه ديكارت نقول إن معادلة هذا العصر هي: "أنا أحمّل، وأنزّل، وأسجّل الدخول والخروج، وأبدّل كملة المرور الالكترونية، وأحدّث بياناتي إذن أنا موجود". دون ذلك أنا في العدم. 
هذه الخلاصة نتيجة ارتباطنا بالرقمنة العاجلة التي فرضتها تداعيات جائحة كوفيد-19، حيث اضطرت الأنظمة التي تريد البقاء على قيد الحياة، لشراء مئات الخدمات الالكترونية التي توفرها الشركات التكنولوجية العابرة للقارات، سواء في مجال الصحة أو التعليم والخدمات المصرفية والغذائية أيضًا.
وإذا لم تكن قادراً على مواكبة المتطلبات التكنولوجية في مختلف مجالات الحياة فلا وجود لك. لأنك لن تحصل على وظيفة، ولا على عمل خاص بك، دون تكنولوجيا لن تستطيع تسويق عملك أو ابتكارك ولا حتى أفكارك لأنهم لم يستمعوا لك، بكلّ بساطة.
صحيح أن لهذه الثورة التقنية المرتقبة بعد جائحة كوفيد -19 تأثيرات إيجابية في حياتنا اليومية، فما أجمل الحياة بالنسبة للكثيرين وأنت على الكنبة في منزلك، حيث رفاهية إنجاز معاملاتك، والحصول على طعامك المفضل بكبسة زرّ!
 كلا، هذه الحياة ليست جميلة لا نكهة فيها ولا سعادة، والدليل أن الناس في مختلف أنحاء العالم خرجوا من بيوتهم كالأشباح مع رفع إجراءات الإغلاق، يبحثون عمّا يؤكد لهم أنهم على قيد الحياة، يترقبون وجه جارة أو صديقة أو قطة تصادفهم تؤكد لهم أنهم ليسوا أمواتًا.
أسبوعيًا عشرات الرسائل الالكترونية تجبرنا على تحديث بياناتنا، وتبديل كلمات المرور، وتحميل برامج جديدة، من أجل فقط أن نثبت للرقمنة أننا على قيد الحياة. هل فعلًا سنكون قادرين على مجاراة التحديثات التقنية التي لا حدود لها، ألم تصبح الصحة النفسية همّنا الأول بسبب الإحساس بالعجز عن مجاراة نمط هذه الحياة؟ 
إلى أي مدى نمتلك حرية الاختيار بين أن نكون ارقامًا أم بشرًا؟ هل ناصيتنا ستكون في المستقبل عبارة عن مربّع أسود صغير يُسمى "بار كود".
خذوا الرقمنة وامنحونا الحياة.

اقرأ ايضا

داعش والسنافر!

08 أكتوبر 2015

لكلّ مهنة مُهرّج

05 يناير 2017

اللعب على المكشوف

05 أبريل 2018

«لأزرع لك بستان ورود»

30 مايو 2019

قطر و«التنين»

06 نوفمبر 2014

قطر.. اللهم لا حسد!

27 يونيو 2013