الثلاثاء 13 جمادى الآخرة / 26 يناير 2021
 / 
02:44 ص بتوقيت الدوحة

عيون السوريين على العرب

إياد الدليمي
اتجهوا شمالا، هناك حيث البيت العثماني القديم، ما زال دافئا، رغم سنوات الفراق والبعد، وجدوه حنونا، ربما ساورهم الشك في لحظة أنه قد يكون مأوى وملاذا، إلا أنهم وجدوه كما تركوه وتركهم قبل عقود، حانيا، ربما بثمن، ولكن لا يهم، المهم في هذه المرحلة أن يوفر لهم مأوى وينقذهم من آلة القتل والموت التي مولتها جيوبهم. السوريون الذين ما وجدوا في حضنهم العربي الدفء رحلوا هناك صوب بني عثمان، الذين كان يسميهم النظام البعثي في كتبه ومناهجه بـ «المستعمرين» وكان يروي لطلابه القصص عن جمال باشا السفاح، الذي لقب بالسفاح لأنه أعدم في يوم واحد 16 عربيا قوميا. رحل السوريون إلى هناك، لم يجدوا سفاحا ولم يجدوا غلظة وشدة وقمعا، مثلما عاشوها في جسر الشغور وإدلب ومعرة النعمان، أو مثل تلك التي سمعوا عنها وشاهدوها في درعا والرستن وحماة وحمص وباب عمرو، ورغم أنهم رحلوا إلى الجار القريب، إلا أن عيونهم ما زالت ترنوا صوب الشقيق والأخ العربي الذي ما زال ساكتا، وهو يشاهد الدم تلو الدم، والموت المتجول بين أزقة الشام العتيقة، ولم يحرك ساكنا. أغرب ما في الموقف العربي ما قاله أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى، بأن العرب منقسمون تجاه سوريا، ولم يبين لنا سعادة الأمين العام أي نوع من الانقسام هذا الذي وقع بين العرب بسبب سوريا؟ على اعتبار أن العرب كانوا دائما متفقين، وكلنا يتذكر كيف أن هؤلاء العرب انقسموا أيضا تجاه ليبيا ومن بعدها اليمن, ولكن صدرت قرارات واتخذت خطوات سواء في ليبيا أو في اليمن. صحيح أن هناك تواطؤاً دولياً حيال الأحداث في سوريا، تواطؤ دفع النظام إلى ممارسة كل أنواع البطش والقتل والترويع من أجل وقف انتفاضة الشعب، ولكن استمرار هذه الانتفاضة دفع العالم إلى تغيير مواقفه، وتحولت مواقف كثير من الدول الغربية، فماذا ينتظر العرب؟ لقد أعطت الولايات المتحدة ومعها أوروبا فرصة للنظام السوري من أجل الإصلاحات، فهي حريصة على بقائه حماية لإسرائيل التي بقيت جبهتها مع نظام المقاومة والممانعة هادئة طيلة أربعين عاما، غير أن هذا النظام فهِم هذه الفرصة على أنها ضوء أخضر لإعمال آلة القتل بحق المتظاهرين، حتى أحرج العالم وأحرج داعميه فبدأت التحولات الكبرى في المواقف الدولية تجاه هذا النظام، وخير دليل تصريح وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون قبل يومين بأن الولايات المتحدة أعطت فرصة للنظام السوري من أجل الإصلاحات إلا أنه لم يستغلها، وصارت تتكلم عن فظاعات هذا النظام وأنه بات يمثل خطرا على استقرار المنطقة. العرب ورغم كل التصريحات الأميركية والأوروبية التي ننتقد هذا النظام وتتحدث عن فقدانه شرعية البقاء، فإنهم ما زالوا مصرين على حيادهم، ويتعاملون مع الأحداث في سوريا تعامل غير العارف بحقيقة ما يحدث، بل إن الجامعة العربية التي يفترض أن تعقد اجتماعا اليوم في القاهرة، لم تكلف نفسها عناء مناقشة ما يجري في سوريا ولو من باب رفع العتب، وستخصص الاجتماع لمناقشة آخر تطورات الأحداث في ليبيا. نعم قد يجد الشعب السوري نصرة من آل عثمان، أو من أوروبا وحتى من أميركا، غير أنه سيبقى معلق العيون صوب إخوانه العرب، يريد أن يسمع منهم، أن يلمس موقفهم حيال الأحداث، يريد أن ينصروه، ولو باللسان، لا أكثر، أما أن يبقوا صامتين فذاك ما لا يقبله هذا الشعب الذي واجه الموت بصدوره العارية وما زال مصرا على سلمية ثورته. إن العالم بدأ يرتب لمرحلة ما بعد الأسد، هناك تحركات أميركية وأوروبية، والكل بدأ يدرس الخيارات المطروحة لتلك المرحلة، بينما ما زال العرب مغيّبين، وإذا ما وقعت الفأس بالرأس، ووجد كل واحدا مقعده في قاطرة التغيير السورية، جاء العرب متأخرين كعادتهم، يبحثون عن المقعد الذي كان يجب أن يحجزوه مسبقا، فلم يجدوه، ولن يجدوه، لأنهم تقاعسوا في لحظة ما عن فهم ما يجري أو أنهم فهموا ولكن تكاسلوا عن الحركة. السوريون عيونهم معلقة بكم، يجب أن تكون هناك مبادرات عربية لنصرة هذا الشعب الأعزل، لا يجب الاحتفاظ بعد اليوم بأي سفير سوري في البلدان العربية، كما يجب على المنظمات الإنسانية العربية أن توجه جهودها إلى مخيمات النازحين السوريين في تركيا، وعلى الأحزاب العربية الحرة وليست المشتراة من قبل نظام البعث السوري أن تتحرك، وأن تسمع سفارات النظام البعثي صوتها، فالشعب السوري يستحق بعد هذه الأشهر الثلاثة الدامية من العرب أن ينصروه ولو بالكلمة، ليس أكثر من كلمة.