الأربعاء 11 ربيع الأول / 28 أكتوبر 2020
 / 
05:48 م بتوقيت الدوحة

حصن الحرية.. «بوسطن جلوب» نموذجاً! (1-2)

أحمد حسن الشرقاوي
فكرة الصحف الأميركية باعتبارها حصوناً لصيانة الحريات العامة في المجتمع الأميركي، تأسرني بشدة لمزيد من التنقيب والبحث في مواقفها وتاريخها، هذا الشغف بالموضوع تزايد عندي، خصوصاً في ليالي وأيام الحظر الطويلة في زمن «كورونا».
المهم، أن قصة صحيفة «بوسطن جلوب» تستحق أن تُروى في هذا المجال، مدينة بوسطن هي المدينة الوحيدة في أميركا كلها التي تتمتع بأغلبية من الكاثوليك، بعكس كل المدن في ولايات أميركا الخمسين، التي تقطنها غالبية من البروتستانت.
بوسطن عاصمة ولاية ماساشوستس، والمدينة الأكبر بها، وهي من أقدم، وأغنى، وأهم المدن الكبرى في الولايات المتحدة.
وهي أيضاً واحدة من المراكز العلمية الكبرى في البلاد، حيث تضم نحو 39 جامعة، أشهرها جامعة هارفارد، إحدى أقدم جامعات العالم، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا «أم آي تي»، وهو أكبر وأهم المعاهد التقنية في العالم كله، كما أنها تشتهر بمدينة الرياضة في أميركا لوجود ملاعب وفرق رياضية كبيرة في رياضة البيسبول التي يعشقها الأميركيون.
صحيفة «بوسطن جلوب» منذ تأسيسها في العام 1872م، ناضلت للمنافسة مع عشر صحف أخرى في المدينة، لكنها بدأت في النمو والازدهار تحت قيادة ناشرها تشارلز تايلور، لتصل في العام 1886م إلى الصحيفة الأكثر مبيعاً في أميركا كلها، باستثناء الصحف الصادرة من نيويورك.
في مطلع نوفمبر من العام 2001م، جلس الصحافي الشاب مايكل ريزنديز في مكتبه بصحيفة «بوسطن جلوب»، الذي يطلّ على ساحة المدينة وقاعة فنويل التاريخية، ينظر إلى كومة من الوثائق المهمة على مكتبه.
تلك الوثائق لم تكن سوى نسخ مصورة من أدلة مقدمة للمحكمة ضد الأب جون جيوغان، وهو أسقف الكنيسة الكاثوليكية في بوسطن، والمتهم بالانحراف الجنسي من جانب 100 شخص في المدينة.
ريزينديز -وهو مواطن أميركي كاثوليكي من أصل برتغالي- يتولى رئاسة مجموعة «سبوت لايت» وهم فريق من أربعة صحافيين مهمتهم تقييم تلك الأدلة وإعداد تقارير صحافية عنها. مشكلة ريزينديز مزدوجة، فهو إما أن يحقق سبقاً صحافياً مدوياً، أو أن يؤدي به هذا العمل لخسارة مستقبله المهني، وسمعة الصحيفة العريقة، وثقة رئيس التحرير الذي كلفه بهذا العمل، منذ استلامه رئاسة تحرير الصحيفة في يوليو من العام نفسه 2001م.
كان مارتن بارون رئيس تحرير الصحيفة كلّف ريزنديز وفريقه بالتحقيق بشأن الاتهامات المتعلقة بارتكاب أفعال جنسية مشينة داخل مباني ومنشآت الكنيسة الكاثوليكية في المدينة.
وهنا جاء التحدي، على مستوى وحدة الصحافيين الاستقصائيين، ثم على مستوى الصحيفة ككل، في مدينة غالبية سكانها كاثوليك لا بروتستانت مثل بقية المدن الأميركية الأخرى.
اكتشف فريق «سبوت لايت» الاستقصائي بصحيفة «بوسطن جلوب» أن لديهم قصة كبيرة للغاية، ومن خلال دراسة متعمقة للوثائق وتحليل نتائج المقابلات التي أجريت مع الضحايا وعائلاتهم، توافرت لديهم أدلة على أن العديد من القساوسة -العشرات منهم- قاموا بالتحرش جنسياً بأطفال، وأن الكنيسة لم تكتفِ فقط بالتستّر على جرائمهم، بل إنها من خلال نقلهم إلى أبرشيات أخرى في مناطق مختلفة، ساعدتهم على ارتكاب مزيد من الجرائم.
نشرت «بوسطن جلوب» سلسلة تحقيقات خلال شهري ديسمبر 2001م ويناير 2002م بمناسبة بدء محاكمة القس جيوغان، وقامت الدنيا ولم تقعد، وانتهت باستقالة رأس الكنيسة الكاثوليكية الكاردينال لاو، وفازت في العام 2003م بجائزة «بولتزر» للصحافة عن مجمل تلك التحقيقات الاستقصائية. وللحديث بقية.