الإثنين 7 رمضان / 19 أبريل 2021
 / 
03:50 م بتوقيت الدوحة

وقفات مع المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب!

د. محمد عياش الكبيسي
في 12 و13 من الشهر الحالي عقدت حكومة بغداد مؤتمرها الدولي الأول لمكافحة الإرهاب، وبمشاركة عدد لا بأس به من الدول العربية وغير العربية، قياسا بالوضع الخطير الذي يمر به العراق على كل المستويات السياسية والأمنية والخدمية. من الواضح أن هناك إصرارا على المشاركة ولو عرّض المشاركون أنفسهم للخطر! وربما من حسن حظهم أنهم قد نجوا بالفعل من رشقات الهاون التي طالت المنطقة الخضراء التي ينعقد فيها المؤتمر، مع إدانتنا المبدئية لكل عملية تستهدف السياسيين والدبلوماسيين الأجانب، مع أنهم يتحملون أيضا شطرا من المسؤولية لأنهم رضوا بالجلوس في ساحة حرب مشتعلة وبحسابات منحازة لطرف دون طرف. المعركة التي تدور في الأنبار وعلى أطراف بغداد افتعلها راعي المؤتمر، فلم يكن في خلد أهل الأنبار أن يحملوا السلاح بوجه الحكومة، ولقد اعتكفوا في مخيماتهم لما يزيد على السنة وهم يحملون مطالب قانونية وينادون بالسلمية، بل لقد اشتبكوا منذ شهور مع بعض الشباب المتهور الذين كانوا ينادون بالحربية حتى أخرجوهم من الساحات، وفي التسجيل الذي سرّبه المالكي عن استقباله لمحافظ الأنبار يظهر فيه قول المحافظ عن الإرهابيين: «إنهم لا يتجاوزون في أعلى حالاتهم الثلاثين أو الأربعين شخصا» وهو يؤكد أن معلومته هذه دقيقة وهي أدق من تقديرات الأجهزة الأمنية. كان على الدول المشاركة أن تستمع لهذا الشريط لتسأل المالكي عن هذه الجيوش والميليشيات والطائرات التي زج بها المالكي لمقاتلة ثلاثين أو أربعين إرهابيا، وأن تسأله أيضا لماذا بدأ حملته الأخيرة هذه (ضد الإرهاب) بالهجوم المسلح على منزل نائب في البرلمان يتمتع بكامل الحصانة ودون صدور مذكرة اعتقال من أية جهة قضائية، مما يعني أن المالكي كان يخطط لاعتقال العلواني بطريقة غادرة ومباغتة، شأن كل العصابات المنظمة والمتمرسة على الجريمة. ليتذكر المشاركون أيضا أن المالكي هو من يحتضن عصابات (البطاط) التي تبنى زعيمها قبل أيام ومن على شاشات التلفزيون قصفه السعودية بالصواريخ، وأعلن حينها أنه يخطط للاستيلاء على مكة والمدينة، بل إن المالكي يشارك عبر ممثليه الرسميين وضباط جيشه في مواكب التشييع لـ(شهداء الحركة) وغيرهم من قتلى المليشيات الطائفية التي تساند الأسد في سوريا، وربما نسي المشاركون أن المالكي هو من كان يطالب بمحاكمة الأسد قبل اندلاع الثورة السورية بتهمة دعمه للقاعدة والبعثيين، هذه تصريحاته ما زالت طرية، وقد ذكر السيد أحمد داود أوغلو أن المالكي أخبره بأن الأسد أنشأ معسكرات لتدريب القاعدة! فمن الذي تغيّر الأسد أم المالكي؟ في تقريرها الأخير عن الوضع العراقي أفادت منظمة هيومن رايتس ووتش أن آلاف العراقيات معتقلات بشكل غير قانوني ويتعرّضن للتعذيب وأشكال أخرى من سوء المعاملة، بما في ذلك الاعتداء الجنسي، ويستند التقرير إلى شهادات معتقلات وأقاربهن ومحامين ومسعفين ووثائق المحكمة ولقاءات مع مسؤولين! المنظمة لا تتكلم عن حالة أو حالتين بل (الآلاف) هذا من النساء فقط، أليس من حق المشاركين أن يسألوا عن التكييف القانوني لهذه الجرائم التي تمارسها حكومة المالكي مع النساء الأسيرات، وما إذا كانت هذه الجرائم وحدها كافية لدفع الناس وذويهم خاصة لحمل السلاح وممارسة الإرهاب بكل أشكاله، فما الذي يبقى لهؤلاء من قيم الحياة ومعانيها إذا كان نساؤهم يتعرّضن لكل هذا الأذى وعلى يد حكومة منتخبة! ربما نسي العالم أو تناسى تاريخ المالكي وحزبه الحاكم، ولو شاؤوا لسألوه عن جريمة استهداف أمير الكويت الراحل الشيخ جابر الصباح، وعن التفجيرات التي هزّت العاصمة اللبنانية في الثمانينيات، وعن طلاب الجامعة المستنصرية في بغداد الذين راح الكثير منهم بين قتيل وجريح بسبب تفجيرات حزب الدعوة سنة 1980، وغير هذا كثير وكثير، بيد أن ما تجدر الإشارة إليه أن أغلب تلك العمليات التي نفّذها حزب المالكي كانت بواسطة (السيارات المفخخة)، ربما تنفع هذه المعلومة رجال القضاء ورجال الأمن الذين تعبوا في تحديد الجهة التي تصدّر لهم اليوم كل هذه السيارات المفخخة! ليسمح لي المشاركون أن أقول لهم إننا لم نعد نصدّق كل هذه الدعوات واللقاءات والنشاطات التي تتبرقع أو تتستر بمكافحة الإرهاب، بعدما رأينا العالم كيف يغض الطرف عن المالكي والأسد، وعن حزب الله وهو يصول ويجول ويعبر الحواجز والحدود ليدافع عن السيدة (زينب)! وعن الحوثيين وهم يهددون العاصمة صنعاء ويلوحون بإسقاط الحكومة المنتخبة. إن (الإرهاب الشيعي) بات مسموحا به كيفما كان وتحت أي عنوان جاء، وقانون مكافحة الإرهاب لا يطبق إلا على السنّة، فهم وحدهم الإرهابيون في هذا العالم، وعليهم دائما أن يقدموا شهادة حسن السلوك، وأن يعلنوا براءتهم من (جماعاتهم الإسلامية) المعتدلة والمتطرفة على السواء، فالفكر الإسلامي السنّي هو فكر إرهابي بطبيعته، وأن يعلنوا براءتهم من (أحزابهم الإسلامية) وإن كانت تؤمن بالديمقراطية وتتنافس مع الآخرين على صناديق الاقتراع، لأن الأحزاب السنّية (تسعى للحكم) وتضمر في نواياها الشرّ للديمقراطية والديمقراطيين، أما جمعياتهم الخيرية فينبغي أن تغلق أو تخضع للرقابة فـ(الدينار السنّي) هو الآخر مشكوك في نواياه! وعلى الحكومات (السنّية) أن تقدم بشكل دوري ما يثبت جديتها وصرامتها في (مكافحة الإرهاب). ربما نستطيع أن نتفهم تخوف العالم من (حكم المرشد) في مصر، مع أنه قد لا يملك بندقية صيد، فاسم المرشد وحده يكفي لتعكير الجو الديمقراطي، لكن كيف نتفهم تقبل العالم لـ(حكم المرشد) في قم وهو يستعد لامتلاك السلاح النووي! وترسانته العسكرية الحالية تكفي لإبادة العرب عن بكرة أبيهم؟ ونتفهم أيضا حق كل دولة خاصة دول الخليج أن تحظر التنظيمات السياسية وغير السياسية، بما يضمن استقرارها وأمنها وأمن مواطنيها، لكن الحكم بـ(الإرهاب) على هذه الجماعة أو تلك يتطلب تكييفا قانونيا وحكما قضائيا، مع أن الحكم بالحظر يكفي لتحقيق المطلوب سياسيا وأمنيا، ثم إن توسيع دائرة الإرهاب بهذه الطريقة يفقد الكلمة مدلولها الخطير في ذهن المتلقي وثقافة المجتمع بشكل عام. لقد أصبح السنّة يدينون أنفسهم من حيث يقصدون أو لا يقصدون، بينما لم أجد جماعة شيعية واحدة يضعها الشيعة في قائمة الإرهاب مهما كانت جرائمها ومهما كان الخلاف معها حتى لو وصل إلى حد الاقتتال كما حصل بالفعل بين الميليشيات الشيعية العراقية المتناحرة وفي أكثر من مناسبة، فمقتدى الصدر مثلا متهم رسميا باغتيال الخوئي، وقد اشتبكت ميليشياته أكثر من مرة مع حكومة بغداد. إن الفارق الوحيد بيننا وبينهم، أننا نعيش تحت ضغط دولي وعالمي، يجعلنا نعيش أزمة حقيقية نحاول أن نتفادها بكل الطرق، بينما يعيش الشيعة في وضع مريح دوليا وعالميا، ولا يشعرون بالحاجة ليتمايزوا أو لينزهوا أنفسهم عن راية أو تجربة معينة. هذه الحقيقة مع مرارتها لكنها قد تنفع في تخفيف الاحتقان والتوتر السنّي-السنّي، وقد تسهم في صناعة إطار آخر للتفاهم يتشكل من فهم سليم وتقدير دقيق للموقف يتجاوز التمترس الأيديولوجي إلى الشعور المشترك بمسؤوليتنا في إنقاذ سفينتنا التي نعيش عليها جميعا قبل أن يأكلنا الندم ولات ساعة مندم.