الخميس 13 رجب / 25 فبراير 2021
 / 
08:37 ص بتوقيت الدوحة

موقع الخليج في القمم العربية

د. ظافر محمد العجمي
في كهف مظلم، نضجت خميرة الكرامة العربية، فتحرك بعض من الجسد، فسقطت صخرة، فبزغ من الفتحة الضيقة نور تحول لأعمدة خيوط غبار مضيئة تتحرك فيها ملايين الذرات، ومن بين تلك الذرات اللامعة التقط الجسد العربي نفحة هواء، فشهق وانتفض وعاد للحياة، فاجتمعت العرب «وصدر عن مؤتمر القمة بيان ختامي تضمن أهمية الإجماع على إنهاء الخلافات وتصفية الجو العربي، وتحقيق المصالح العربية العادلة المشتركة ودعوة دول العالم وشعوبها إلى الوقوف إلى جانب الأمة العربية في دفع العدوان الإسرائيلي». وتحت سمائنا العربية فقط تبقى بيانات القمة التي كتبت قبل نصف قرن صالحة للنشر في أي وقت، فما سبق كان جزءا من بيان القمة العربية الثالثة التي عقدت في مصر 13 - 17 يناير 1964. ففي غرة رمضان وبطريقته المجهدة في الخطابة تحدث عبدالناصر موجها كلامه للدول النفطية «إن حركة الجيش تحتاج لمال، وإن موارد البلاد المطلة على إسرائيل محدودة، ولكن لا تنقصها القوة والأفراد، وما تحتاجه هو دعم مادي يمد الجيش بطاقته الحيوية... وبما أن الدول التي أنعم الله عليها بنعمة البترول عدد سكانها قليل أو بعيدة عن جبهة القتال تستطيع أن تساهم بمبالغ مادية لدعم الصمود والمواجهة لهذا العدو الذي تدعمه أميركا والدول الغربية». فوقف الملك سعود بن عبدالعزيز وألقى كلمة قصيرة ختمها بالقول «تعلن المملكة تخصيص مبلغ 40 مليون دولار دعماً للمعركة» ثم جاء دور أمير الكويت عبدالله السالم الصباح، وكانت الساعة تشير إلى الخامسة مساء، فطلب عبدالناصر إرجاء كلمة الكويت لما بعد الإفطار لكن «أبو الدستور» أصر على الكلام فساد في القاعة هرج ومرج وهمهمات تذمر متعبة كتعب اليوم الأول من الصيام. فقال الشيخ موجزا «لقد خصصنا 15 مليون دولار دعماً للمعركة وهي معركتنا»، فضجت القاعة بتصفيق واستحسان عاطفي حار. كان ذلك هو صوت الخليج من السعودية والكويت قبل 50 عاما، فكيف سيكون الصدى في الكويت 25-26 مارس 2014م؟- خمسون عاما تفصل بيننا وبين تلك القمة وخمسون شيئا آخر. ففي الماضي كان نجاح القمم يقاس بالقرارات التي تتخذ فكنا نوقف ضخ النفط ومنع رسو السفن، ونقاطع فورد وكوكاكولا خلال شهر. أما الآن فمن الصعوبة الإمساك بالعلاقات الدولية لكثافتها، تقلبها، غموضها، تنوعها، وتسارع الأحداث فيها، حيث يقاس نجاح القمم بالنقاشات القذافية المتورمة حتى الالتهاب. كما يقاس نجاحها بدرجة تحررها من دبلوماسية المقاطعة الصريحة أو بالمقاطعة المستترة بإرسال وفود متواضعة المستوى، أما القرارات فأصبحت ذات مرتبة تفسيرية فقط، لا صانعة للأحداث. كان الصوت الخليجي موحدا، متناغما، ومترابطا ضمن إطار غير معلن. صوت لا يحمل إلا نبرات العطاء ولا ينتقد إلا بكرمه الحاتمي حد التبذير. ولم يصدر منه ما هو خصم من رصيد التضامن العربي. كنا بعيدين جغرافيا عن بعضنا البعض فكانت المسافة تحفظ الحب. أما ضمور الروح الرفاقية بين الأعضاء فظهر بعد تقاربنا، فصوتنا -عند البعض- فحيح أفعى ودعوات وثنية يرددها انتحاري يفجر مسجد بالأنبار، ونحن النصرة وداعش في الشام، ونحن مقوّضو الديمقراطيات في مصر، وأتباع الاستعمار في المغرب العربي. بفروسية جامحة كان جمال عبدالناصر يخطب بارتجال فيتكون لدى مستمعيه في الخليج الوعي بمصيرهم. أما الآن فيخطب المالكي بخطاب مثقل بالمغالطات والاستدلالات المتهافتة ناصبا الخليج عدوا له بأثر رجعي، فينتفض بدر شاكر السياب متحررا من تمثاله على كورنيش شط العرب في البصرة وينضم لفصيل يزرع على طريق الكويت شحنة ناسفة، لمنع انعقاد القمة. يأتي الخليجي لقمة الكويت ولم يعد دافعه التزامات مالية فحسب؛ بل أصبح صانع قرار، وصانع تدخلات وصانع مشاكل، وصانع مصالحات. وأقر بأن فينا تحيز للجزئية غير المدرجة في جدول الأعمال وهي المصالحة الخليجية. ومع كل الكويت أتزين مدججا بدبلوماسية «حبة خشم» محاولا إخضاع شعرة بيضاء تمردت على الانضواء لبقية الشعر المخضب في شاربي الذي أعتز به وأكرمه. فهناك من يقول إن أحداثا تاريخية مؤلمة ستترك أثرا في الجغرافيا. وهناك من يقول إن العالم العربي تغير والجامعة العربية لم تتغير، فكيف ستتعامل مع معضلة تطبيق اتفاقية مكافحة الإرهاب على السلفيين بأنواعهم الدعوي، والجهادي، والتكفيري، وعلى الإخوان مصريهم وخليجيهم. وكيف ستبرر فشلها في إيواء اللاجئين السوريين! هذا النزوع نحو الفشل جعلها تطالب الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية باكتمال مؤسساته فيما ترفض إعطاءه الشرعية بمنحه كرسي دمشق بالجامعة ليرتاح عليه ليستعد لتشكيل الهيئة الحكومية الانتقالية. أما فلسطين فقد كانت ضحية الاتجاهات التحريفية في خطب الجامعة العربية قمة بعد قمة. • gulfsecurity.blogspot.com/ tinyurl.com/3vr3j4a