السبت 10 جمادى الآخرة / 23 يناير 2021
 / 
08:27 م بتوقيت الدوحة

مناقشة هادئة في قضية ساخنة!

أسامة عجاج
«الغباء جند من جنود الله»، هذه قناعتي وذلك يقيني. أقول ذلك بمناسبة الاحتفاء الشديد من الإعلام المصري الرسمي بمرور أربع سنوات على أحداث فضّ «رابعة العدوية»، وهي بالمقاييس الإنسانية -بعيداً عن التحزّب بالانتماء إلى هذه الجماعة أو تلك- كارثة إنسانية ونقطة سوداء في التاريخ المصري؛ فقد يكون اليوم الأكثر دموية في تاريخ مصر، أن يسقط خلال ساعات كل تلك الأعداد من الضحايا في مواجهة هي الأشرس، نتيجة خلاف سياسي بين الحكومة وتيار سياسي معارض، أياً كانت الأسباب وراء ذلك الخلاف. والأرقام الرسمية تتحدّث عن أعداد تصل إلى ٦٠٧ من المعتصمين، وإصابة ١٤٩٢، ومن الشرطة ٨ والمصابين ١٥٦، والعدد يزيد بصورة أكبر إذا تناولنا تقارير أخرى أو شهادات من الجانب الآخر، ونقصد هنا جماعة الإخوان أو بعض المنظمات الحقوقية الأخرى.
والمنطق والعقل يستدعي من الحكومة أن تبذل قصارى جهدها لكي لا يتذكّر أحد تلك الأيام وتُطوى في دائرة النسيان، رغم إقرارنا بأن المهمة قد تكون صعبة، خاصة وأن حادث الفضّ نفسه كان زلزالاً سياسياً -وبالطبع إنسانياً- ما زلنا نعيش توابعه من خلال المحاكمات التي تجري للمنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين في العديد من القضايا، وفي مقدّمتها قضية فضّ رابعة العدوية التي تضم ٧٣٩ متهماً، وغرفة عمليات رابعة، وكذلك قضية اعتصام النهضة، وأعداد المتهمين قد تصل إلى النصف، بالإضافة إلى قضايا أخرى مرتبطة بالحدث نفسه في مناطق أخرى شهدت مواجهات بين الأمن وأنصار الجماعة على امتداد الجمهورية، ناهيك عن عشرات الأحكام التي صدرت ووصلت إلى الإعدام، أو بالسجن لمدد مختلفة في تلك القضايا.
ولعل مرور السنوات الأربع الماضية يدفعنا إلى أن نقول إنه آن الأوان للبحث في حقيقة ما جرى، ومن جهة محايدة، لنعرف مَن المسؤول عن كل الدماء التي سالت والخسائر والأضرار التي لحقت بالجميع في ذلك اليوم، فنحن أمام روايتين للأحداث: الأولى حكومية تؤكد أن الفضّ كان ضرورياً لاستعادة هيبة الدولة، ولوقف ممارسات الإخوان، وتتحدّث عن إجراءات قانونية اتُّخذت، ومعايير دولية التُزم بها في عملية الفض، بالإضافة إلى تحميل مسؤولية ما جرى للإخوان أنفسهم، وسط اتهامات بوجود أسلحة داخل الاعتصام وصلت إلى الحديث عن أسلحة كيماوية واعتداءات من المعتصمين على رجال الأمن. أما الرواية الثانية التي تبنّتها الجماعة، فتتحدّث عن مجزرة تتنافى مع كل المعايير الإنسانية، وتفتقد إلى مستلزمات القانون، وتؤكد على سلمية الاعتصام، وتتخذ من وجود الآلاف من المعتصمين على مدى ٤٨ يوماً في منطقة رابعة العدوية -الحافلة بمؤسسات ومبانٍ تتبع أجهزة سيادية- دون أن يمسّها أي ضرر أو يتعرّض لها أي معتصم، دليلاً دامغاً على سلمية الاعتصام، كما أنها تعتمد على ارتفاع عدد الضحايا من الإخوان مقارنة بتدني العدد من الشرطة دليلاً آخر على تلك السلمية.
وعندما نتحدّث عن جهة محايدة، فنحن نشير إلى لجنة تقصّي حقائق تابعة للأمم المتحدة، ومصر لن تكون استثناء في ذلك الأمر؛ فقد سبقتها دول عديدة تعرّضت لحوادث مماثلة. والأمر هنا لا يمثّل أي تدخل في الشأن الداخلي المصري؛ فموافقة الحكومة المصرية على مثل هذه اللجنة أو تشكيلها ضروري ومطلوب. ويُتاح لهذه اللجنة الاستماع إلى العديد من الشهادات، وبعضها لمسؤولين في الحكومة في ذلك التوقيت، ومنهم: محمد البرادعي، أو رئيس الوزراء في ذلك الوقت حازم الببلاوي، أو حتى قريبين من الحكومة، ومنهم بعض المشايخ في مقدمتهم محمد حسان الداعية الإسلامي المعروف، وبالطبع من قيادات الإخوان الذين يؤكدون أن الهدف من الاعتصام كان الضغط من أجل التفاوض لإنهاء الأزمة. مثل هذه اللجنة، هي الخطوة الأولى التي تحتاجها مصر لتعويض الضحايا، والبدء في مصالحة شاملة تعيد الاستقرار المفقود إلى مصر.

اقرأ ايضا

بين تقريرين ..!!

21 أغسطس 2014

الدور المفقود..!

28 فبراير 2015

ثلث دولة أو أقل!! (1-2)

10 سبتمبر 2015

أسد بلا أنياب!

24 مارس 2016

مهزلة في مجلس الأمن..!

15 أكتوبر 2016