الجمعة 14 رجب / 26 فبراير 2021
 / 
03:52 ص بتوقيت الدوحة

أب

سهلة آل سعد

أن تكون أباً أمر في منتهى الروعة.. أمر عظيم 
ولكن انتبه فهو تكليف عظيم أيضاً. 
فهناك من الآباء من يعتقد أن دوره الأبوي يقف عند حدود التكوين البيولوجي، ثم تتولى الأم بعد ذلك جميع الأمور. 
الملاحِظ الدقيق لتطور المجتمع يرى بوضوح أن أطوار الأبوة أو أنواع الأبوة مرت -فيما لمسنا-بخمس مراحل حتى اليوم:
مرحلة آباء زمن الغوص، الذين أجبرتهم الحياة على ترك منازلهم وأهليهم والمكث في البحر أزماناً، ولكنهم رغم ذلك ما تخلوا عن أدوارهم الأبوية المناسبة لطبيعة مرحلتهم تلك، ساعدهم في ذلك كِبر أعداد قاطني المنازل وقلة المُلهيات والمُشغلات.
ثم أتى بعدهم ذلك الجيل المخضرم من أبنائهم الجيل الذي بزغ في عصره النفط، فعاصر بذلك نوعين من الحياة.. الغوص في طفولته والبترول في شبابه ورجولته.
ذلك الجيل الكادح بجدارة كسابقه أيضاً لم تثنه مصاعب وكواسر الحياة عن القيام بجميع أدواره الأسرية، من أول الإعالة حتى نهاية الرعاية والتربية الأبوية السليمة رغم أمية معظم أفراده.
ثم أتى الجيل الثالث وهو الجيل الذي نال حظاً من العلم وحظاً من الراحة في الحياة لم ينلها سابقاه، وهنا كانت بداية الخلل وبداية التخلي التدريجي عن الأدوار، وإن لم يتضح ذلك بشكل جلي أو تُرى نتائجه الكبيرة في تلك المرحلة، فهي ما كانت سوى بداية وحاضنة.
جاء بعدها الجيل الرابع الذي أوكل المهام إلى الأم تخفيفاً عليه من ناحية، وباعتبار الأم واعية وتربوية ومتعلمة من ناحية أخرى، ولم يحسب حساب أن ليست كل الأمهات سواء، ولا حساب التغيرات والمؤثرات العالمية التي بدأ دبيبها الخفيف غير المحسوس في تلك المرحلة.
ثم أتى الجيل الذي بزغت في عصره جميع الآفات، الجيل الذي تخفف من مهامه أكثر واعتمد على الأم أكثر، والمشكلة أن امرأة هذا الجيل تخلت هي أيضاً عن دورها المنزلي والأسري، مفضلة عليه المهني والتجاري!!
وتضافر مع هذين التنازلين من طرفي الأب والأم ظهور عصر إلكتروني غير مسبوق الانفتاح والتحلل، علني الدعوة والأهداف.
أما الجيل الأخير آباء اليوم الجدد، الذين حظوا للتو بمسمى آباء «وهو الجيل الذي حظه في التدارك والإصلاح أفضل من حظ سابقيه؛ ذلك لأن بذره ما زال في تربته لم ينبت بعد»، فإنهم متسمّرون أمام هذه المشاهد وهذا الواقع المخيف، جاهلون بحقيقة أدوارهم كما جهلها من سبقهم، متخوفون مما يرونه أمامهم من نماذج.
والآن: ما موقعك أيها الأب في هذه الخارطة؟ وما دورك الذي وجب عليك القيام به واطّرحته من مهامك؟ وكيف تؤديه؟
علاج الخطأ لا يكون بخطأ مثله، فالنار لا تُطفأ بالنار، فهذه ليست دعوة للعنف، فالعنف سهل ولكنه مشكلة أخرى وليس حلاً.
كم أن عبارة «فاقد الشيء لا يعطيه» عبارة خادعة بامتياز، وعذر لمن لا عذر له، إن كانوا قد أقنعوك بها فآباؤنا لم يعطهم أحد شيئاً، وأعطونا كل شيء، واتخذوا من حرمانهم دافعاً كي لا يعاني أبناؤهم كما عانوا، ولا يُحرموا كما حُرموا، فلا يتحججن بذلك العذر الواهي أحد، فالصحيح أن فاقد الشيء يعطيه، بل ويعطيه خيراً من غيره؛ لأنه حُرِمه فعرف قيمته، وأراد ألا يعاني غيره كما عانى.
والصحيح في التربية أن يجد الأبناء الحب في بيوتهم ومن أبويهم، فلا يلجؤوا إلى تعويض ذلك خارج المنزل أو عبر النت، والصحيح أن يجدوا داخل البيت من يستمع لهم ويحادثهم، فلا يبحثوا عن مستمعين خارجه، والصحيح أن يتناقشوا في كل الأمور ومتعلقات الحياة والصح والخطأ وما يجب أن يُلبس وأن يُفعل وما لا يجب بشفافية ووضوح.
الجلسات المريحة التي يتحدث فيها الأب مع أبنائه وزوجته، حيث يتشاركون الآراء حول التطورات والمخاطر والتوجهات والأخلاق والسلوكيات وكل الأمور، مطلب عصري ضروري يجب ألا يتخلى عنه الأب، خروجه مع أسرته في جو مريح تدور فيه الأحاديث بوضوح من الجميع مطلب ملح وضروري؛ لسلامة مسلك كل أسرة ولتحصينها من التغريب.
الخلاصة: وجودك ضروري وجوهري أيها الأب، وما تقدمه يختلف عما تقدمه الأم، احتواؤك لهم كنز، عاطفتك نحوهم كنز، إشرافك وتوجيهك لهم كنز، فانتبه لكنوزك وقدّمها لمستحقيها، فلم توجد الكنوز لتُقبر، وإنما لتنفع ويُسعد بها.