السبت 22 رجب / 06 مارس 2021
 / 
01:22 م بتوقيت الدوحة

رفح المنكوبة.. وقصة مدينتين!!

أحمد حسن الشرقاوي
في مقدمة روايته الشهيرة «قصة مدينتين» يقول الروائي الإنجليزي الأشهر تشارلز ديكنز وهو يحكي عن باريس ولندن في العام (1775): كان أحسن الأزمان، وكان أسوأها أيضا.. كان عصر الحكمة والحماقة معا، كان زمن النور وزمن الظلمة، كان ربيع الأمل، وكان شتاء القنوط.. كان على عرش إنجلترا ملك ذو فك عريض (جورج الثالث 1760-1820)، وملكة ذات وجه قبيح، وكان على عرش فرنسا ملك ذو فك عريض (لويس السادس عشر (1774-1792) وملكة ذات وجه جميل».
ويمضي ديكنز في مقدمته الاستهلالية الرائعة للقول: «في كلا البلدين كان السادة المهيمنون على مخازن الدولة الخاصة بالخبز والسمك يرون بوضوح البلور، أو أوضح، أن الأشياء ستظل على حالها الراهن أبد الدهر».
ومن هذه المقدمة التي تؤهل القارئ لمتابعة رواية صورت أحداث الثورة الفرنسية والهجوم على سجن الباستيل من خلال قصة حب رومانسية مشوقة، تشهد كل الأشياء تغيرا وتبدلا بسرعة منقطعة النظير وتنتهي بدحض رؤية وإيمان واقتناع القائمين على الدولة في فرنسا وبريطانيا بأن شيئا لن يتغير.
عندما هممت في كتابة هذا المقال عن مدينة رفح وتقسيمها لمدينتين وأحوالها تحت الاحتلال الظاهر والمستتر، لا أدري لماذا قفزت إلى ذهني تلك المقدمة البديعة التي حفرت سطورها في عقلي منذ قرأت الرواية لأول مرة قبل نحو 30 عاما!!
يبدو أن الأمور بأشباهها تعرف، وربما بأضدادها يكون الأمر أوضح.
رفح هي مدينة حدودية، ومركز محافظة رفح الفلسطينية وتقع في أقصى جنوب قطاع غزة، وتبعد عن القدس حوالي 107 كيلومترات إلى الجنوب الغربي، وتعتبر المدينة أكبر مدن القطاع على الحدود المصرية، وتبلغ مساحتها 55 كم2، وبلغ عدد سكانها عام 2006 قرابة 120.000 نسمة، وتشير تقديرات أخيرة إلى أن عدد سكان المدينة يناهز الربع مليون نسمة.
وفي عام 1917 خضعت رفح للحكم البريطاني الذي فرض الانتداب على فلسطين. وفي عام 1948 دخل الجيش المصري رفح وبقيت تحت الإدارة المصرية إلى أن احتلها اليهود في عام 1956 ثم عادت للإدارة المصرية عام 1957 حتى عام 1967 حيث احتلها اليهود مجددا إبان حرب الأيام الستة. وبعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد عام 1979 استعادت مصر سيناء ووضعت أسلاكا شائكة عام 1982 لتفصل رفح سيناء عن رفح الأم. وتقدر مساحة ما تم ضمه للجانب المصري حوالي 4000 دونم وبقي من مساحة رفح الأصلية 55000 دونم اقتطع منها حوالي 3500 دونم للمستوطنات.
في أوائل الثمانينيات شاركت في رحلة للطلائع نظمتها المدرسة الثانوية التي كنت أدرس فيها بمصر لزيارة الأراضي المحررة في سيناء، رأيت في تلك الزيارة بيوتا يمر السلك الشائك من وسطها، نصفها في رفح التي باتت تعرف بالمصرية وبقيتها في رفح الفلسطينية. في تلك الفترة أيضا كنت متأثرا بشدة بفيلم «الحدود» للسوري دريد لحام وسخريته المريرة من فكرة التزام الحكومات في البلدان العربية بحدود رسمها وصنعها الاستعمار، وكأن هناك اتفاقا ضمنيا بينها وبين تلك القوي الاستعمارية بعد أن «حمل الاستعمار عصاه ورحل»!
سألت نفسي: كيف استطاعت إسرائيل أن تجبرنا على تقسيم المدينة؟! وهل يختبر الاستعمار تصميمنا وعزيمتنا وإرادتنا لاسترداد حقوقنا؟ ولماذا يعطيها لنا دائما منقوصة؟ وما أهمية «مسمار جحا»؟ ولماذا يصر الكيان الصهيوني على وجود مستوطناته في أراضينا المحتلة؟!
استرجعت ملاحظة مدرس التاريخ في المدرسة الذي قال لنا إن بريطانيا أصرت على أن تكون السكك الحديدية في السودان بمقاسات تختلف عنها في مصر حتى لا يستطيع القطار الواحد أن يسير من الإسكندرية عبر القاهرة إلى الخرطوم وجوبا. في هذه السن (18 عاما) وفي شرخ الصبا والشباب يكون لتلك الخواطر مذاق مختلف!!
في ذلك المساء الشتوي، إلى جانب الأسلاك الشائكة، وقفت وحيدا أنظر إليها بأسى، بينما الريح تعصف حول أذني، وقرص الشمس الباهت يتوسط كبد السماء. لم يقطع استرسال معاناتي وحزن خواطري غير صوت رفاق المدرسة الثانوية يصيحون وينادون على بعضهم البعض للتجمع مجددا تمهيدا للعودة إلى العريش حيث كان معسكرنا الذي استغرق أسبوعا كاملا.
بعد مرور كل تلك السنوات، وفي ظهيرة يوم شتوي بارد في الدوحة على غير العادة، وبعد أن استرجعت رواية ديكنز ومقدمته المعبرة، عدت مجددا لترديد كلمات ديكنز بصوت هامس: «في كلا البلدين كان السادة المهيمنون على مخازن الدولة الخاصة بالخبز والسمك يرون بوضوح البلور، أو أوضح، أن الأشياء ستظل على حالها الراهن أبد الدهر».
صعقتني نفس الفكرة وأنا على مشارف العقد الخامس من عمري ووجدتني أرد على نفسي بصوت يشبه الصراخ: كلا كلا.. لن يستمر هذا الحال أبد الدهر، بل إن الأحداث ربما تكون أسرع مما يتصور الكثيرون، وقطع استرسال خواطري الحزينة صوت مذيع التلفزيون يعلن عن اعتزام السلطات المصرية إزالة مدينة رفح الحدودية من الوجود!!