الأربعاء 13 ذو القعدة / 23 يونيو 2021
 / 
09:48 م بتوقيت الدوحة

الفقاعة تحاصر المالكي

إياد الدليمي
مضى نحو ثلاثة أسابيع على خروج عدد من المحافظات العراقية في مظاهرات حاشدة ضد سياسات حكومة نوري المالكي، ورغم صعوبة الأوضاع التي تواجه المتظاهرين والمعتصمين الذين يبيتون ليلهم في الخيم، حيث الطقس البارد جدا ناهيك عن الاعتقالات التي تشنها قوات المالكي، إلا أن الإصرار على المواصلة يبدو قويا وأكبر بكثير مما كان يتوقعه أحسن المتفائلين باستمرارية هذه الاحتجاجات والاعتصامات. ومما يسجل للمتظاهرين في مدن العراق المختلفة، أنهم كانوا على قدر من المسؤولية والالتزام والسلمية، ما أبهر الجميع، وأحرج الكثير، وخوف البعض، والبعض هنا، يقف على رأسهم رئيس الحكومة نوري المالكي، الذي اتهم التظاهرات في أسبوعها الأول، بأنها طائفية وأنها ترفع شعارات نتنة، مؤكداً أنها «فقاعة» وسوف تنتهي. راهن رهط المالكي على أن هذه الجموع التي خرجت في أول جمعة للتظاهر سوف تنتهي من تلقاء نفسها، خاصة وأنها كانت ما زالت في جمعتها تلك، لم تطرق أبواب العاصمة بغداد، واعتقد أن الترهيب والتهديد يمكن أن يجدي نفعا معهم، إلا أنه تفاجأ يوما بعد آخر أن «الفقاعة»، كما وصفها، تكبر ويزداد حجم اتساعها لتمتد وتشمل مدنا جديدا، كانت بغداد على رأسها، فحشد قواته، وبدأ بالخطة «ب» في محاولة فض الاعتصامات والتظاهرات، حيث بدأت سلسلة الاغتيالات بكواتم الصوت، وكان أبرزها اغتيال أحد شيوخ عشيرة الجبور في الموصل، وأحد أبرز المعتصمين هناك، ناهيك عن محاولة اغتيال رافع العيساوي بعبوة ناسفة كانت مزروعة على بعد 500 متر فقط من نقطة تفتيش تابعة للواء المثنى الطائفي في أبوغريب، هذا بالإضافة إلى عمليات الاعتقال التي تتواصل منذ أول جمعة. الغريب أن المالكي وجد نفسه وحيدا في معركته ضد المظلومين والمسحوقين، وفشل إيما فشل في تسويق نظريته بأن تلك التظاهرات فقاعة وأنها طائفية، بعد أن وجدت تعاطفا كبيرا من قبل العديد من المكونات العراقية الأخرى، وعلى رأسها الشيعة غير التابعين لحزب المالكي، حيث أعلن التيار الصدري موقفه الصريح بأنه يدعم مطالب المتظاهرين، وكان موقف الأكراد مشابها، في حين قالت مصادر خاصة في البصرة إن هناك نية للإعداد لتظاهرات كبيرة تساند أهالي مدن العراق الأخرى المعتصمة، مما سيسحب كل الذرائع والحجج من تحت أقدام المالكي. يخوض المالكي معركته ضد «الفقاعة» لوحده، وتلك حقيقة لا يبدو أن المالكي يريد أن يقر أو يعترف بها، فخلافاته وائتلافه «دولة القانون» أو الفافون كما يحب أن يطلق عليها العراقيون، مع التيار الصدري تكبر وتتعمق، حتى إن ما يقال من شتائم متبادلة بين نواب ائتلاف المالكي ونواب التيار الصدري داخل قبة البرلمان، فضيحة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، ولولا أن تلك الجلسات لا تنقل إلا بعد التنقيح، لاطلع الشعب العراقي على مستوى تلك الشتائم المتبادلة. كما أن هناك تيار من الكتاب والإعلاميين والمثقفين الليبراليين، باتوا أكثر قناعة بأن التظاهرات في مدن العراق الغربية والشمالية، محقة، وأنها وطنية وليس كما يسعى المالكي للترويج لها بأنها طائفية، ناهيك طبعا عن الشعور الكردي بأن هناك فرصة مواتية اليوم للانتقام من تسلط المالكي عبر دعم التظاهرات، ليس إعلاميا فقط وإنما حتى بتوفير المكان المناسب لقوى الحراك الشعبي لعقد مؤتمراتهم هناك لبلورة أفكارهم تمهيدا لطرحها كحل وطني للتغيير الشامل في العراق. ليس في جعبة المالكي اليوم أكثر من حل واحد، هو يراه بأنه سيكون مناسبا وكافيا لردع المحتجين، وهو ما يتمثل بالنسبة له، في الحل الأمني، الذي بدأ يستخدمه على استحياء هنا أو هناك، حل لا يبدو أن المالكي مكترث لما يمكن أن يجره له وللعراق، وهو هنا يتوهم كثيرا إن ظن أن إيران يمكن أن تسعفه في لحظة من لحظاته الحرجة التي باتت تقترب. إيران تبدو اليوم أكثر قناعة بأن ضياع الأسد ونظامه، الذي بات قريبا، لا يجب أن يتبعه بأي حال من الأحوال ضياع سلطتها في العراق، فهي لن تكون معنية بأي حال في التدخل المباشر حماية للمالكي، لأنها أيقنت منذ زمن بعيد أن خيارات القتال والحرب على حدودها أو قربها، سيجلب لها، ربما، تفككا داخليا، هي في غنى عنه. لقد تجاوز الحراك الشعبي في العراق العديد من المطبات التي وضعها المالكي، غير أنه ما زال بحاجة إلى مزيد من التواصل والتنسيق مع القوى العراقية الوطنية في الجنوب، تنسيق أجاد فيه منظمو الحراك كثيرا عندما سحبوا البساط من تحت أقدام الطائفيين، يوم أن راحت عشائر غرب وشمال العراق بمخاطبة نظيراتها في الجنوب العراقي، ومعلوم أن الوشائج العشائرية في العراق ما زالت قوية، وزادت قوتها عقب الاحتلال الأميركي بعد أن تحولت العشيرة، في ظل غياب لغة القانون وسلطته، إلى الحامي الأكبر لأبنائها. الفقاعة التي كبرت ستكون على موعد جديد مع تكاثر غير مرئي بالنسبة للمالكي حاليا، إلا أنه سيكون واقعا خلال الأيام القليلة المقبلة، فلقد أشارت بعض المصادر إلى أن عمليات الانشقاق وكشف الوثائق والحسابات الخاصة والسرية قد بدأت، بعضها مدفوع بدوافع وطنية وأخرى مدفوعة بالخوف من القادم، وثالثة بتصفية حسابات قديمة وجديدة. وحيدا سيبقى المالكي، سوى من ميلشياته التي شكل الجزء الأكبر منها بقانون الدمج، الذي أباح له، بصفته القائد العام للقوات المسلحة، بدمج عناصر الميلشيات الشيعية ضمن قوات الجيش العراقي، بالإضافة إلى قوات أخرى شكلها المالكي خارج إطار القانون والدستور، يعتقد أنها كافية لحمايته من غضب الشارع العراقي المحتقن. أيام وسيكون المالكي وجها لوجه أمام الحقيقة المرة، وهي أن الفقاعة حاصرته، وكبرت حتى ضيقت عليه كل الطرق والوسائل، ما كان ممكنا في الأيام الأولى للحراك الشعبي، ولم يعد كذلك، وبالتالي فإن اختيار طريق المواجهة والقوة العسكرية سيكون تقصيرا لعمره السياسي وليس لعمر الحراك الشعبي، فالشعب «باق وأعمار الطغاة قصار».