الخميس 11 ربيع الثاني / 26 نوفمبر 2020
 / 
01:31 ص بتوقيت الدوحة

سعود الفيصل..

أسامة عجاج
قليلون من وزراء الخارجية العرب، الذين حفروا أسماءهم بأحرف من نور، في تاريخ المنطقة في السنوات الأخيرة، وفي المقدمة منهم الأمير سعود الفيصل ،الذي قاد الدبلوماسية السعودية لحقب مختلفة، ومراحل عديدة، واجهت المملكة خلالها تحديات ضخمة على أصعدة متنوعة، وحفلت بالكثير من الإنجازات. ولعل الذاكرة العربية لم يبق فيها من تلك النماذج، التي مثلت قامات في هذا المجال، سوى أعداد محدودة من وزراء الخارجية من دول محددة، في الكويت مثلا الشيخ صباح الأحمد، الذي ترافق اسمه مع الدبلوماسية الكويتية، استمر في المنصب حتى العام ١٩٩١، واستحق لقب عميد وزراء خارجية العالم، قبل توليه إمارة دولة الكويت، ليحوز الأمير سعود الفيصل على اللقب، ومن مصر هناك أربعة، محمود فوزي الذي تولى المهمة مبكرا، وأعقبه محمود رياض هو أحد أبناء المؤسسة العسكرية، الذي كان له بصمة مهمة على مسار الدبلوماسية المصرية، ومنها إلى الجامعة العربية أمينا عاما لها، وهو نفس المسار الذي سلكه كل من الدكتور عصمت عبدالمجيد وعمرو موسي اللذين كان لهما إسهامات مهمة على الصعيدين المصري والعربي ، وفي الجزائر عبدالعزيز بوتفليقة، الذي ارتبط اسمه بمرحلة ما بعد الاستقلال مباشرة، واستمر حتى غاب عن الساحة فترة من الزمن، ليعود من جديد في منصب الرئاسة، في فترة زمنية صعبة، نجح خلالها في تجاوز الجزائر مرحلة الصراع الداخلي، والعمليات الإرهابية في سنوات تسعينات القرن الماضي، وهناك أيضاً في سوريا عبدالحليم خدام، الذي كان تعبيرا صادقا عن مرحلة الأسد الأب، وبعدها تولى منصب نائب الرئيس في عهد الابن، ليخرج بعد ذلك إلى المعارضة، وهناك في العراق طارق عزيز، الذي كان أصدق تعبير عن توجهات النظام العراقي في زمن صدام حسين، أما في قطر فهناك الشيخ حمد بن جاسم، الذي جسد نموذجا فريدا، في التعبير عن دولة نجحت في أن يكون لها بصمات في سنوات معدودة، على القضايا المطروحة على المستوى العربي والإقليمي والدولي.
ومن المهم هنا التأكيد، على أننا في ذكرنا لتلك النماذج، نتوقف عن بعض المؤشرات التي تجمع بينهم جميعا، وهي طول الفترة التي تولوا فيها المسؤولية، مما أتاح لهم فرص النجاح، على خلفية تراكم الخبرات الطويلة التي اكتسبوها، واستقرار المسار الدبلوماسي والسياسات الخارجية لتلك الدولة، بعيدا عن الهزات الناتجة عن كثرة التغييرات، يضاف إليها ثقة قيادات تلك الدولة فيهم، ولعل الأمير سعود الفيصل هو الأطول، في تولي مسؤولية الدبلوماسية السعودية، من الفترة من عام ١٩٧٥ وحتى أسابيع قليلة مضت، كما أننا لسنا في مجال تقييم إنجازات أو إخفاقات كل منهم، فكل نموذج هو تعبير حقيقي عن الحقبة الزمنية التي ظهر فيها، وطبيعة النظام الذي تولى الدفاع عن مواقفه في الخارج، أو الترويج لسياساته في الدوائر المختلفة، ونحن أمام مدرستين، الأولى تتعلق بالدبلوماسية الهادئة، والتي تجيد فن التفاوض في الغرف المغلقة، وعلى موائد التفاوض دون التخلي أبداً على الثوابت، والمصالح العليا لدولته، وفي المقدمة من هؤلاء الأمير سعود الفيصل، ولعل شهادات من تعاملوا معه من كبار المسؤولين في دول عديدة، خير دليل على ما نقوله، أما المدرسة الثانية فهي التي تجيد الاعتماد على الإعلام، واستخدامه وسيلة ضغط على الخصم، وطرح القضايا المطروحة على العلن، ومن هؤلاء عمرو موسى.
وقد أتاح لي عملي في الشؤون العربية، طوال أكثر من ثلاثين عاما، تغطية العديد من المناسبات والمؤتمرات، التي كان نجمها الأول الأمير سعود الفيصل، ولكني أتذكر مناسبتين منها، رغم التباعد الزمني بينهما، فقد جسدتا معا قدرات الأمير سعود الفيصل في الدفاع عن موقف بلاده، وتخليه عما عرف عنه من هدوء شديد، وحرص بالغ في أسلوب توصيل الرسالة، رغم أن الأمر تعلق فيهما بصدام مباشر مع القوى العظمى في العالم، أميركا وروسيا. الأولى مؤتمر صحافي حضرته في القاعدة الجوية بالرياض، وجمع بين الأمير سعود الفيصل وبين كولن باول وزير الخارجية الأميركي الأسبق، وكشفت عن الرفض القاطع والغضب الشديد من الأمير سعود الفيصل، لأي تدخل في الشأن الداخلي السعودي، أيا كان حتى لو كان من القوى العظمى أميركا. والثانية ولعلها المهمة الأخيرة على المستوى العربي التي شارك فيها، وكانت في الجلسة الختامية للقمة العربية الأخيرة في مدينة شرم الشيخ، حيث لم يحتمل حجم لي الحقائق، في كلمة الرئيس الروسي فلاديمير بوتن عن رؤية بلاده في الأزمة السورية متخليا عن ما تميز به تاريخيا من ضبط النفس.
أتذكر المؤتمر الصحافي، رغم مرور أكثر من 11 عاما عليه، لأنه تحول إلى مواجهة مفتوحة، يومها كنت في بداية عملي كمدير لمكتب دار أخبار اليوم في الرياض، في أبريل من عام 2004، وتم إبلاغي بموعد المؤتمر، وقبل بدايته التقى السفير أسامة النقلي، المسؤول عن الإعلام في الخارجية السعودية، بممثلي الصحف ووكالات الأنباء المعتمدين في الرياض، وطلب من الجميع راجيا، عدم تكرار ما حدث مع وزير الخارجية الأميركي كولن باول في بغداد، عندما ترك رجال الإعلام العراقيين جميعهم قاعة المؤتمر، احتجاجا على سياسية واشنطن في العراق، وقال النقلي: الوزير في نهاية الأمر ضيف على المملكة، وعلينا حسن استقباله، حتى إذا اختلفنا مع سياسات بلاده، ومع ذلك كانت الأجواء متوترة، نتيجة إصدار وزارة الخارجية الأميركية، لبيان يستنكر فيه احتجاز عدد مما سمي بالنشطاء في المملكة. وعددهم لا يتجاوز أصابع الكفين، والغريب أن كولن باول في المؤتمر كرر الموقف الأميركي، دون أن يسعى إلى التفسير، أو توضيح الموقف، في محاولة للتهدئة. يومها شاهدت الأمير سعود الفيصل كما لم أشاهده من قبل، ظهر الغضب على وجه، ولقن الوزير الأميركي درسا قاسيا، أمام ممثلي وسائل الإعلام في رفض المملكة التدخل في شؤونها الداخلية، وأنها ليست في وارد قبول أي نصائح من أي جهة، وانتهى المؤتمر سريعا. وللعلم تم العفو عن تلك المجموعة، في الأسبوع الأول لتولي الملك عبدالله الحكم، بعد أكثر من عام.
والأمر نفسه تكرر في قمة شرم الشيخ الأخيرة، في مارس الماضي، كانت وقائعها تمر بهدوء، رغم الظروف الصعبة، والقضايا المثارة على جدول الأعمال، ولكن الوضع تغير تماما، عندما بدأ رئيس المؤتمر الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، في إلقاء نص رسالة وصلت إلى القمة، من الرئيس الروسي فلاديمير بوتن، كرر فيها مواقف بلاده من كافة القضايا العربية، وطرح وجهة نظر موسكو تجاه الأزمة السورية، وكانت المفاجأة في طلب الأمير سعود الكلمة، لم ينتظر إلى جلسة مغلقة، ولم يطلب إنهاء علانيتها، ولكن كان حريصا في أن يكون الرد بنفس الطريق، وأمام الجميع، وفي وجود كل وسائل الإعلام، التي تتابع وقائع المؤتمر، وقال بشكل واضح: على بوتن وروسيا أن توقف تزويد نظام الأسد بالأسلحة التي تقتل السوريين، أكد أن على موسكو أن تكون جزءا من الحل، بوقف دعمها للنظام، وليس طرفا في المشكلة، وتكهرب جو المؤتمر، وحبس الجميع أنفاسهم، وكان الحل في سرعة قراءة البيان الختامي للقمة.
رحم الله الأمير سعود الفيصل.

usama.agag@yahoo.com •

اقرأ ايضا

بشرة خير

11 مايو 2013

للعدالة وجوه أخرى!

12 ديسمبر 2013

المتحولون..!!

25 يونيو 2014

أنسنة العالم

02 أبريل 2020