الإثنين 7 رمضان / 19 أبريل 2021
 / 
03:06 م بتوقيت الدوحة

الإسلاميون وتجربة المشاركة الديمقراطية (2-2)

د. محمد عياش الكبيسي
لقد حاولت الواجهات السياسية للجماعات الإسلامية أن تستقل مراكب الديمقراطية لتنفيذ مشروعها، بيد أنها وقعت بين مطرقة التشكيك (الديمقراطي) وسندان الأصولية (الإسلامية)، فالديمقراطيون لا زالوا يتشككون في النوايا الحقيقية للإسلاميين، ولديهم مخاوف كبيرة من انقلاب هؤلاء الإسلاميين على الديمقراطية ومبادئها، أما الجماعات الإسلامية المتشددة فإنها لا تتوانى في إصدار فتاوى التكفير لهؤلاء الإسلاميين لقبولهم بالديمقراطية بديلا عن دين الله، وهذه في نظرهم ردّة فاقعة لا مجال فيها للاختلاف أو الاجتهاد، وهذا ما يفسر حملات التصفية الجسدية التي تعرض لها الحزب الإسلامي العراقي في تجربته الوليدة، والتفجير الضخم الذي تعرضت له قناة بغداد المقربة من الحزب مع أنها القناة السنّية الوحيدة في العاصمة العراقية آنذاك. وأذكر أني قابلت أحد الأتراك المتشددين والمتمسكين بالهدي الظاهر، والذي أخبرني بأنه منذ سنوات لم يصل الجمعة في المسجد لأن هذه المساجد تابعة لحكومة غير إسلامية وأن أئمتها موظفون في هذه الحكومة، وحين ذكرت هذا لعميد كلية الإلهيات قال: والله يا أخي أنا كنت واحدا من هؤلاء وكنت أفتي بمقاطعة الانتخابات، وكنت أعتقد أن العلمانيين أهون شرا من الإسلاميين الذين يلوون أعناق النصوص الدينية لتبرير مشاركاتهم في هذه الحكومات! نحن إذاً أمام مشكلة حقيقية أعمق بكثير من تلك المماحكات أوالمجادلات السياسية، إنها مشكلة تمتد في عمقها التاريخي إلى تلك المرحلة التي تم فيها اغتيال الخليفة الراشد علي بن أبي طالب بتهمة تحكيمه للبشر وتنازله عن الحاكمية الإلهية! إنها مشكلة ذات أبعاد متشابكة عقدية وفلسفية وثقافية أكثر مما نظن. تبدأ المشكلة حينما تتبنى الجماعات الإسلامية في مناهجها التربوية والتثقيفية مقولة (حكم الله) بينما تتبنى واجهاتها السياسية مقولة(حكم الشعب أو حكم الأغلبية)، ومن حق الناس أن يتساءلوا هنا؛ هل نحن أمام مشروعين مختلفين؟ أو هو التكتيك الذي تقتضيه طبيعة المرحلة؟ ثم لو لم يتمكن الإسلاميون من الحصول على تأييد الأغلبية البرلمانية لحكم من أحكام الله فهل سيتنازلون فعلا عن هذا الحكم لصالح الديمقراطية؟ نعم ربما يعوّل الإسلاميون على فكرة أن شعوبنا هي شعوب مسلمة وبالتالي فهي لن ترفض الإسلام في مقابل أي نظام آخر، ومع أن هذه الفكرة تبدو منطقية إلى حد ما لكن الذي يشغب عليها: أولا: مدى الوعي الشعبي برسالة الإسلام وشموليته وقدرته التشريعية على استيعاب احتياجات المجتمع وتحدياته وإشكالاته، إن هذه الشعوب هي التي احتضنت كل الأحزاب القومية والعلمانية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وهي التي تزدحم في صالات الفن الهابط وحفلات الخمر والميسر والتبرج، وهي التي صفّقت للزعماء الذين مارسوا كل أنواع التعذيب بحق الإسلاميين، وهم مع كل هذا يزدحمون أيضا في المناسبات الإسلامية كالحج والعمرة وصلاة التراويح! وقد لا يكون هذا كله انقساما في التركيبة الشعبية، بل هناك قدر كبير من التداخل والتشابك، فمن تجده هنا قد تجده في اليوم الثاني هناك! ثانيا: لو افترضنا أن هذه الشعوب ستختار نظام الحكم الإسلامي فكيف سنتأكد من أنها سترضى بهذه الأحزاب لتطبيق هذا النظام؟ فالسياق كله سيبدو مختلفا، فهناك الكثير من مجتمعاتنا لا يأخذون الدين إلا حينما يصدر من مؤسساته ورموزه العلمية وليس من الأحزاب الإسلامية، وهذا سلوك طبيعي، فالفتوى الدينية لا تؤخذ من الأحزاب ولا حتى من دوائرها الشورية، حيث أن أغلب هذه الدوائر تقوم على أساس التمثيل الانتخابي وليس الكفاءة العلمية، وفوز العضو في الانتخابات الداخلية لا يؤهله للاجتهاد الشرعي، ولذلك رأيت الكثير من شباب الأحزاب الإسلامية يستفتون العلماء في الكثير من القضايا حتى لو كانوا خارج السياق التنظيمي، فكيف بعامة الناس؟ والمتابع لحركة المجتمع العراقي يجد هذا واضحا، فالمقاومة انطلقت بفتاوى العلماء وليس من مجالس الشورى، والحراك اليوم يستمع لفتاوى العلماء وتوجيهاتهم بل هم الطرف الأبرز في قيادته وإدارته، وهذه الإشكالية لا تحل إلا باندماج الفتوى والتأصيل الشرعي والهيبة الدينية مع البرامج السياسية لهذه الواجهات أو الأحزاب الإسلامية، ولكن الطرف الآخر لا يفتقر إلى أدوات الاستيعاب هذه، وقد رأينا هذا واضحا في موقف الشيخ البوطي من الثورة السورية، ثم موقف شيخ الأزهر من الانقلاب العسكري على الرئيس (الإسلامي). ربما أدرك مؤسس جماعة الإخوان الشيخ حسن البنا هذه المعادلة الصعبة فقال بالحرف الواحد: (لسنا حزبا سياسيا وإن كانت السياسة على قواعد الإسلام من صميم فكرتنا)مجموعة الرسائل197، وفي رسالته إلى الشباب وضع الخطوات العملية لتطبيق النظام الإسلامي؛ الفرد المسلم ثم البيت المسلم ثم الشعب المسلم ثم الحكومة المسلمة، ومن مجموع كلامه هذا وتوصياته وتوجيهاته الأخرى نستطيع أن نجزم أن البنا لا يرى الحزبية طريقا لقيام الدولة الإسلامية، وربما ذهب أبعد من هذا فقال بعنوان بارز: (الإسلام لا يقر الحزبية) الرسائل168. تعرضت نظرية البنا هذه لكثير من المراجعات الداخلية والانتقادات الخارجية، لكن التفكير التأصيلي العميق لا يمكن إلا أن يصل إلى هذه النتيجة، فالإسلام دين الأمة، والأمة كلها هي المخاطبة بحمل الإسلام عقيدة وشريعة وسياسة، وإذا كانت الأمة لم تصل بعدُ إلى المستوى الذي تستوعب فيه شمولية الإسلام فلا يمكن أن يكون الحل بفرض هذا من خلال التكتيك الديمقراطي، ولا من خلال استخدام العنف ولهذا يقول حسن البنا: (أما الثورة فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها، ولا يعتمدون عليها، ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها)الرسائل136. تجدر الإشارة هنا إلى أن ما بين فكر البنا وممارسات الإخوان التالية مساحة أخرى تتطلب قدرا من التفاكر والتناظر، وللإسلاميين ربما أن ينحازوا بصدق إلى الديمقراطية كبديل مريح عن الأنظمة الاستبدادية والتسلطية، وليست بديلا عن الإسلام، فإذا كان الوضع العام ومستوى الوعي الشعبي اليوم لا يسمحان بقيام الدولة الإسلامية، فإن هذا لا يعني أننا نفقد جميع الخيارات، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يرجح لأصحابه حكم الحبشة على حكم مكة لما كان يتمتع به النجاشي حاكم الحبشة من العدل والمروءة، بل إن يوسف عليه السلام رضي أن يعمل في حكم الملك ووفق نظامه حتى قال القرآن: (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) كل هذا ليحقق مصلحة عليا لشعب مصر ويدفع عنهم خطر الجوع، فالموضوع أوسع بكثير من الخيار الثنائي إما دولة إسلامية نواليها وإما دولة جاهلية نعاديها. إن حاجة المجتمعات إلى تأسيس قواعد العدل والحرية والتنمية والفصل بين السلطات هي حاجة عامة لا تخص مجتمعا دون آخر، ولا يضر المسلمين أو الإسلاميين أن يعملوا مع شركائهم في الأرض للوصول إلى هذه الغاية الجليلة، وهذه المساحة لا تتحكم فيها قواعد الولاء والبراء، بل ينبغي اختيار الأكفأ والأقدر على تحقيق هذه الغاية، وهذه مثلها مثل الخدمات العامة كالطب والهندسة فأنت تبحث عن الطبيب الذي تظن فيه القدرة على علاجك ولا تبحث عن الطبيب الذي يوافقك في الفكر والانتماء، وعليه فإن الحشد المعنوي في هذه المرحلة لن يؤدي إلى تحقيق هذه الغايات بقدر ما يؤدي إلى إثارة النعرات والانقسامات داخل المجتمع الواحد، ولذلك تنبهت بعض الجماعات الإسلامية إلى حذف الشعارات الأيديولوجية من عناوينها وأدبياتها واكتفت برفع الأهداف المجتمعية العامة مثل (العدالة والتنمية) أو (الحرية والتنمية) وهذا ينبغي أن لا يكون فيه شيء من التكتيك أو الخداع، فهذه أهداف مشروعة بحد ذاتها ولها الأولوية في المرحلة التي نعيش، وينبغي أن يتصدى لها الأكفاء والمؤهلون وليس الأكثر التزاما أيديولوجيا أو انضباطا تنظيميا، وهذه المرحلة هي التي ستؤسس للثقة المتبادلة وتتيح لدعاة الإسلام أن يمارسوا دورهم في بناء الشعب المسلم والأمة المسلمة والدولة المسلمة، وأن يكونوا روحا في هذه الأمة وليس طرفا منافسا أو مخاصما فيها.