السبت 3 جمادى الآخرة / 16 يناير 2021
 / 
12:32 م بتوقيت الدوحة

السياسة القطرية ورؤيتها المتوازنة

فالح الهاجري

طيلة الانتخابات الرئاسية الأميركية وكانت هناك أطراف دولية بعيدة، يفترض أن تكون غير معنية كثيراً بها، ولكنها كانت تنتظر نتائجها بفارغ صبر أكثر من الحزبين المتنافسين في الولايات المتحدة. وكانت تشرئب الأعناق لرؤية أو لاستشراف النتيجة قشبل أن يحسمها الفرز في المجمع الانتخابي، وفي النهاية يبدو أن النتائج جاءت مخيبة، وحقيقة الأمر أن السياسة المتبعة في تلك البلدان كانت مخيبة، وكانت قصيرة المدى تعتمد على خطى قصيرة، وتصب كل الجهود خدمة لمراحل محدودة بدون استبقاء احتياطي العلاقات لما بعد هذه المرحلة.
يقال لهذه السياسة في الأمثال أو يتعارف عليها على أنها وضع للبيض كله في سلة واحدة، ولكن ماذا لو ضاعت هذه السلة أو تلفت! أو يقال إنها سياسة الاستقطاب، وهي رديفة التطرف الذي يعتمد على اختيار طرف دون بقية الأطراف ومحاباته وتبني وجهة نظره ومعاداة أعدائه وموالاة أوليائه، وفجأة ينتقل مركز القوة إلى القطب المقابل، ويصبح الانتقال معه بكامل الثقة مستحيلاً بعد، وقد جاء في الآثار أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال -أو فيما معناه وملخصه-: "أحبب هوناً ما وأبغض هوناً ما"؛ لأن المواقف لا يمكن استهلاكها جملة واحدة، بدون ترك خطوط رجعة عند اكتشاف الخطأ أو مجال للانسحاب عند الوقوع في الأزمة، ولا سيما المواقف السياسية التي تكون في غاية المرونة تحسباً لأي متغيرات، لتكون ضمن دائرة الخطة ولا تسبب صدمة كبيرة.
وهذا ما دأبت على تحقيقه سياسة قطر في توخي التوسط، وعدم الانحياز الكامل إلى وجهات نظر متطرفة في العلاقة الدولية، بل امتهنت سياسة المسافة الواحدة من الأطراف جميعاً، للانتفاع من علاقات التحالف، وتحقيق التوازن يكون بالبقاء في الوسط، ويكون خطراً في الانتقال إلى طرف مقابل طرف، اعتمدت السياسة القطرية في ظل الأمواج المتلاطمة من الأزمات الإقليمية والدولية سياسة راشدة في بناء العلاقات المستدامة، التي تكون مرتكزاتها مع المؤسسات لا مع الأفراد أو المناصب المؤقتة، وبنفس الوقت نبعت القوة من ترتيب السياسة الداخلية، ورصّ البنيان بين الدولة والشعب، وعدم ترك ثغرات تحكمها قلة الثقة أو البعد بين الدولة والشعب، وفي ظل سياسة داخلية قوية متماسكة، وسياسة إقليمية صلبة، امتصت صدمة الحصار، وتجاوزته وتعافت منه، وسياسة دولية فطنة وسطية التوجهات، بالإضافة إلى القوة الناعمة التي تمكّنها من امتلاك زمام المبادرة، في ظل هذه المعطيات جميعاً، استمرت عجلة السياسة القطرية في سير متوازن محسوب الخطوات موزون العلاقات، ولم يؤثر عليها الانقلاب من دول الحصار، ولا أرّقها سقوط المرشح الجمهوري وفوز الديمقراطي.
في إطار رصانة البيت الداخلي ومناعته، يمكن الانطلاق بقوة إلى تنظيم التحالفات وإبرام الروابط الخارجية، ولكن عند وجود الخلل في السياسة الداخلية، لا يمكن الاستئناس كثيراً بالشركاء الخارجيين لإعادة ترتيب الأوضاع الإقليمية أو الداخلية بشكل مقلق، لن يستمر طويلاً بعد زوال الداعم الخارجي، وقد أدركت السياسة القطرية هذا الجانب، فلم تعمد إلى رهن القرار وتسليم الزمام إلى حلف أو حزب، ولكن القليل الدائم من التقدم السياسي خير من الكثير المنقطع المنقلب على الأعقاب بعد حين، والخطوة الرشيدة البطيئة في إدارة البلاد وترك مسافة الأمان الكافية أفضل من الخطوة الجامحة.