السبت 7 ربيع الأول / 24 أكتوبر 2020
 / 
06:51 ص بتوقيت الدوحة

فقراء العرب بعد «كورونا» والأسئلة الصعبة

ياسر الزعاترة
أرقام مثيرة تلك التي أوردتها دراسة نشرت مؤخراً للجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا)، بشأن الفقر في المنطقة العربية، والتباين الطبقي فيها.
قالت الدراسة إن مجموع الثروة التي يملكها أغنى 31 مليارديراً في المنطقة؛ يعادل تقريباً ثروة النصف الأفقر من سكانها البالغين؛ مشيراً إلى أن انعدام المساواة سيزداد بسبب آثار فيروس كورونا.
وكشفت أن ثروة أغنى 10% من البالغين تعادل أكثر من 75% من مجموع ثروة الأسر في المنطقة.
وتوقعت الدراسة أن يطال الفقر خلال 2020 نحو ثلث سكان البلدان العربية المتوسطة الدخل والأقل نمواً، أي 115 مليون شخص في 14 بلداً، بعد أن كان يطال 66 مليون شخص عام 2010.
ورأت الدراسة أنه من الممكن إنقاذ الملايين من سكان البلدان المتوسطة الدخل من براثن الفقر من خلال اعتماد «ضريبة تضامن على الثروة بنسبة قدرها 1.2%، بالاستناد إلى أن كلفة سد فجوة الفقر في هذه البلدان ترتفع إلى 15.6 مليار دولار عام 2020، لكنها متواضعة مقارنة بثروة الشريحة العشرية الأغنى فيها، والتي تبلغ حسب التقديرات 1.3 تريليون دولار».
لا يحتاج المراقب لما يجري في المنطقة العربية خلال المرحلة الأخيرة، بخاصة بعد الإجراءات التي اتخذت لمواجهة فيروس كورونا، إلى دراسات كي يدرك حجم الكارثة التي تنتظر أكثر الدول العربية على صعيد اتساع دائرة الفقر والبطالة.
لم تأت مرحلة «كورونا» وما تخللتها من إجراءات، وما سيترتب عليها من تداعيات بعد أعوام رخاء، بل جاءت بعد سنوات هي الأسوأ منذ نهاية الأزمة الاقتصادية في 2008، و2009، ما يعني أن المشهد قد ازداد بؤساً، وسيتصاعد البؤس أكثر فأكثر على الطبقات الفقيرة.
سيقول كثيرون إن تداعيات «كورونا» لم تصب الفئات الفقيرة وحسب، بل شملت الأغنياء أيضاً، لكن المقارنة هنا تبدو عبثية؛ لأنها تقارن بين أغنياء تراجعت دخولهم بنسبة ما، وبين فقراء كانوا يعيشون على دخول يومية، ولا تتوفر لديهم الكثير من المدخرات التي تمكّنهم من مواجهة الوضع الجديد.
ولعل الأسوأ الذي يواجهنا ما زال يتعلق بالفئة الشبابية التي تنتظر بناء حياتها، والتي باتت نسبة عالية منها نهب البطالة، فيما لا يمكن لمداخيل النسبة العاملة منها أن توفر في أكثر الأحيان القدرة على فتح بيوت وبناء أسر.
جوهر ما تقترحه دراسة الـ «إسكوا» يمثل جزءاً أساسياً من الحل، ويتمثل في أنظمة تحابي الفقراء على حساب الأغنياء، وإلا فإن المشهد القادم سيتمثل في ثورات جياع تختلف عن الربيع العربي الذي كان يمثل ثورات تقودها الطبقة المتوسطة الباحثة عن الحرية والتعددية، وهي الطبقة التي ستكون من المهددين أيضاً بالأوضاع الجديدة، إذ ستهبط نسبة منها إلى فئة الفقراء.
لكن ما ذكر عن «ضريبة تضامن» لن يكون كافياً ما لم تتضمن السياسات الرسمية مزيداً من الشفافية ومحاربة الفساد التي تقنع الطبقات المتوسطة والفقيرة بالصبر، الأمر الذي لن يكون ممكناً من دون إصلاح سياسي.
ولا ينبغي أن ننسى هنا حقيقة أن ما يجري سيطال الدول الغنية أيضاً، بعد تدهور أسعار النفط، وبعض الحروب الفاشلة، والسياسات الضريبة الجديدة، وفي الوقت ذاته ستطول فئات كثيرة من العاملين فيها من الدول العربية الأخرى، والذين سيعود كثير منهم إلى بلدانهم كي ينافسوا الآخرين على فرص محدودة.
والنتيجة أن المدخل الأهم لمواجهة الموقف يتمثل في إصلاح سياسي يجعل الحكومات معبّرة عن الشعوب، وتتحمل المسؤولية أمامها، وتكون قادرة على مواجهة الفساد والهدر، مع وضع أنظمة تحابي الفئات الفقيرة، فهذه الأرقام الفاضحة في التباين الطبقي لا يمكن أن تستمر، وإذا استمرت فثورات الجياع قادمة.
هل سيدرك المعنيون ذلك، أم سيواصلون دفن الرؤوس في الرمال، مع مطاردة أشواق الشعوب في الحرية والتحرر بالمنظومة ذاتها التي تابعناها منذ ربيع العرب وحتى الآن؟ في الوقت ذاته الذي يواصلون فيه سياسة التناقض مع مشاعر شعوبهم في قضايا الأمة الكبرى.
لا مؤشرات تمنح المراقب كثيراً من التفاؤل، لكن إطلاق التحذيرات من قبل أهل الرأي سيبقى ضرورة بكل تأكيد.