الخميس 13 رجب / 25 فبراير 2021
 / 
07:26 ص بتوقيت الدوحة

كيف قرأت تركيا أحداث العراق؟

إسماعيل ياشا
التطورات المتسارعة التي حدثت في العراق بانهيار الجيش العراقي في المناطق السنية وانسحابه من المدن والقرى واحدة تلو الأخرى وهروب الضباط والجنود تاركين وراءهم أسلحتهم، فاجأت الأتراك كما فاجأت الجميع. واختطاف القنصل التركي وموظفي القنصلية وبعض السائقين الأتراك في الموصل من قبل عناصر «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) زاد الاهتمام الشعبي والإعلامي لما يجري في البلد الجار. وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو قطع زيارته للولايات المتحدة وعاد إلى تركيا لمتابعة التطورات الساخنة في العراق وانعكاساتها على تركيا. وبعد وصوله إلى أنقرة طلب من زعماء الأحزاب المعارضة أن يعقد معهم لقاءات ليطلعهم على آخر المستجدات، بعيدا عن الإعلام، كما عقد رئيس الجمهورية عبدالله غل اجتماعا طارئا في قصر تشانكايا لمناقشة التطورات المتلاحقة شارك فيه رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان ورئيس الأركان الجنرال نجدت أوزل ورئيس جهاز الاستخبارات هاكان فيدان ونائب رئيس الوزراء بشير آتالاي ومساعد وزير الخارجية ناجي كورو. ومن الملاحظ أن هناك تكتما كبيرا في العاصمة التركية على المستوى الرسمي، والتصريحات الصادرة من المسؤولين الأتراك لا تتعدى كونها تصريحات عامة تدور حول متابعة الأزمة عن كثب والاستعداد لجميع الاحتمالات والخطوات اللازمة وعدم السماح للمساس بمصالح تركيا وما إلى ذلك. وبالتالي، لا يعرف الرأي العام التركي ما هي قراءة القيادة التركية بالضبط للأحداث، ولكن الإعلام التركي يقرأ حتى اللحظة ما يجري في العراق على أنه احتلال «داعش» للموصل وغيرها من المدن. تعليقات المحللين والإعلاميين الأتراك على ما يجري في العراق منذ سقوط الموصل أعادت إلى ذاكرتي ما قالوه وكتبوه بعد اندلاع ثورات الربيع العربي ووصول شرارتها إلى أرض الشام، حول المؤامرة الأميركية والصهيونية لتقسيم المنطقة وضرب المقاومة وتدريب «خلايا إرهابية» في الأردن وإدخالها إلى سوريا لإثارة الفوضى، وغيرها من أكاذيب الدعاية السوداء التي كان يروجها آنذاك إعلام النظام السوري وحلفائه. واليوم، تتكرر القراءة نفسها تقريبا ولكن هذه المرة بطل الروايات والسيناريوهات هو تنظيم «داعش». نعم؛ هناك ضبابية تجعل فهم ما يجري وتحليله صعبا للغاية إلا أنه قبل الانشغال بعلامات الاستفهام التي تثيرها الأحداث يجب الاعتراف أولا بالمسلمات والحقائق حتى يتضح على الأقل جزء من الصورة. نفوذ إيران في العراق وتدخلها السافر، وسياسة الإقصاء والطائفية التي تبنتها الحكومات العراقية المتتالية بعد الغزو الأميركي، وإرهاب الميليشيات في ظل الحماية الرسمية، وممارسة جميع أنواع الإذلال والتنكيل والقتل والتعذيب ضد أبناء المحافظات السنية؛ كل ذلك من تلك المسلمات والحقائق، بالإضافة إلى أن مئات الآلاف من العراقيين كانوا معتصمين لعدة أشهر مطالبين بحقوقهم ورفع الظلم عنهم، قبل أن تأتي العاصفة وتتهاوى قلاع المالكي الورقية. الإعلام التركي في معظمه لم يسلط الضوء على الحراك الشعبي في العراق، وإن فعل فمن خلال رواية الحكومة العراقية التي تزعم أنها تحارب تنظيم القاعدة و»داعش». وكذلك يرى اليوم أن ما يجري في العراق ما هو إلا تمدد سيطرة «داعش» في المنطقة، وينسب كل إنجازات الثوار إلى هذا التنظيم، متجاهلا كل تفاصيل المشهد وغضب الشعب العراقي وثورته على الظلم والاستبداد. السؤال الذي يطرح نفسه هو: «كيف ستتحرك تركيا حيال التطورات في العراق؟» ومن المتوقع أن تكون من بين أولويات الحكومة التركية حماية الأقلية التركمانية، وكذلك مد يد العون لإقليم كردستان العراق في حال تعرض لأي تهديد عسكري. وغير ذلك، من المستبعد تورط تركيا بالتدخل عسكريا في «المستنقع العراقي». أنقرة ارتكبت خطأ في تعاملها مع الملف العراقي حين راهنت فقط على السياسيين العراقيين الذين ليس لهم تأثير قوي على الساحة وغير قادرين على تغيير المعادلة التي فرضها الاحتلال الأميركي، بل حتى غير قادرين على حماية أنفسهم من بطش الطائفيين. وحان الوقت لتصحيح رؤيتها وتعزيز علاقاتها مع زعماء الحراك الشعبي ورؤساء العشائر المنتفضة وعلماء العراق مثل الشيخ العلامة عبدالملك السعدي والشيخ حارث الضاري، لأن المعادلة التي فرضها الاحتلال على العراق لا مستقبل لها، وأن الكلمة ستكون حتما للشعب العراقي.

اقرأ ايضا