الإثنين 15 ربيع الثاني / 30 نوفمبر 2020
 / 
01:22 ص بتوقيت الدوحة

الأنبار.. عار المالكي

إياد الدليمي
يدرك أو لا يدرك رئيس حكومة المنطقة الخضراء نوري المالكي، أن الأنبار ستكون عاره الذي سيلاحقه عبر الأجيال، فهي التي ستكتب نهاية هذا الديكتاتور الذي تسربل سراويل ديمقراطية أميركية مستوردة، وبات يتبجح في كل وقت وحين بالانتخابات التي يعرف هو قبل غيره كيف تمت وكيف ستتم، فحربه على الأنبار وأهلها، لن ترحمه، ولن تكون سوى آخر نعش في مسمار عملية سياسية ولدت من رحم احتلال بغيض، سارت بالعراق وما زالت نحو مجهول معلوم كوارثه. مضى نحو أكثر من أربعين يوما وما زالت حرب المالكي على الأنبار مستمرة، دون أن يحقق شيئا يذكر، ما خلال تلك الهزائم المتكررة لجيشه الميليشياوي، الذي فشل -رغم ادعائه بأن جزءا من أهل الأنبار يقاتلون تحت رايته- أن يثبت وطنيته، وباتت رائحة طائفية هذا الجيش تفوح في كل وقت وحين، رغم كل الآلة الإعلامية التي حشدها المالكي لتكون مساندة له في حربه على أهل هذه المدينة الباسلة. تشير آخر التقديرات أن حصيلة الأربعين يوما قد وصلت إلى نحو 1200 قتيل من جنود نوري المالكي، أغلبهم قتل في المواجهات الدائرة في أحياء وسط الرمادي، حيث فشل هذا الجيش، رغم عدده وعدته، في أن يجد لنفسه موطئ قدم في تلك المناطق، كما فشل في أن يحدث شرخا كبيرا بين أهالي المدينة، رغم اصطفاف البعض من الأنباريين إلى جانب جيشه تحت ذريعة محاربة داعش. وعلى ذكر داعش، أثبتت أغلب الصور والفيديوهات الواصلة من هناك، أن داعش لا وجود لها كفعل حقيق على الأرض، وأن المجلس العسكري الذي شكل في إثر الحرب التي شنها المالكي على الأنبار، هو صاحب اليد الطولى في مقارعة جيش نوري، والمجلس أثبت أيضا أنه قادر على المواجهة، خاصة أن هناك عددا من ضباط الجيش العراقي السابق، ممن خبروا الحروب، يقودون هذا المجلس. على الجانب الآخر، أثبتت حرب المالكي على الأنبار، أن سنة العراق، ورغم كل ما تعرضوا له على مدى أعوام عشرة ماضية عقب الاحتلال الأميركي، ما زالوا رقما صعبا في معادلة العراق، ولا يمكن بأي حال من الأحوال بناء عملية سياسية أو أمنية أو اجتماعية، دون أن يكونوا طرفا فاعلا في المعادلة. إن العار كل العار أن يشن رئيس حكومة حربا على شعبه، والعار كل العار أن يجد سفاح كهذا مساندة من قوى دولية فاعلة، بحجة محاربة الإرهاب، وهو ومعه تلك القوى، يعلمون جيدا أن الإرهاب الذي يدعون، لم يكسر شوكته في الأنبار، لا القوات الأميركية المحتلة رغم عددها وعدتها ولا جيش نوري، وإنما كسر على يد عشائر وجدت أن من احتضنتهم ذات يوم لمقارعة الاحتلال، عادوا ووجهوا فوهات بنادقهم صوب تلك الحاضنة الشعبية، بحجج شتى منها مبايعة الأمير وأخرى الكفر وثالثة لردة، تلك التهم التي لم تتورع القاعدة في توجيهها إلى أهالي الأنبار. إننا اليوم أمام معادلة غاية في التعقيد بالنسبة لرأس النظام العراقي، فهو تورط في الأنبار وغرست أرتاله في رمال صحرائها، ولم يعد قادرا على أن يفعل شيئا، فإن واصل حربه ازدادت كلفة الخسائر, وإن عاد بجيشه فإنه سيعود مجللا بعار الهزيمة، وهي الهزيمة التي يجب لها أن تغير معادلة العملية السياسية في العراق. الأنبار انتصرت، رغم كل الأهوال التي تعرض لها أهالي تلك المحافظة الصابرة، فهي التي وقفت شامخة أبية، كما عرفها العالم، بفلوجتها والرمادي، أمام جبروت القوة الغاشمة التي قادها المالكي، وهي التي كسرت أسطورة الأغلبية والأقلية التي طالما تبجح بها ساسة السلطة، وأثبتت أن معادلة الأرقام في العراق أغلبها مغلوطة، وأن هناك تضخيما لمقولات لا تثبت أمام الواقع. بقي أن نقول إن حرب المالكي على الأنبار أكدت من جديد أن جنوب العراق بعشائره وفئاته المجتمعية المختلفة، لا يعول عليهم كثيرا، وأنهم، وإن كانت قلوب بعضهم مع أهل الأنبار كما يؤكدون، فإن سيوفهم مع المالكي، بعد أن استشرى فيهم النفس الطائفي وصار هو المحرك لكل تصرفات وأفعال أغلبهم، وبالتالي فإنه لا بد من إعادة تقييم لطبيعة المرحلة السياسية المقبلة، وضرورة أن تبنى بعيدا عن الشعارات الوطنية الفارغة التي لم تشبع جائعا ولم تبن بيتا لفقير.