الثلاثاء 18 رجب / 02 مارس 2021
 / 
11:04 م بتوقيت الدوحة

تركيا.. عقد من التحولات

د. سعيد حارب
مع انتهاء الانتخابات البرلمانية التركية يكون حزب العدالة والتنمية قد أمضى عقداً من إدارة هذه الدولة المترامية الأطراف والمتعددة الأعراق، والتي تتوزع على الجغرافيا والتاريخ والهوية بين الشرق والغرب، ورغم الصعوبات التي واجهها حزب العدالة والتنمية خلال هذا العقد إلا أنه استطاع أن يخرج بتركيا من المستوى الذي كانت عليه ليجعلها إحدى القوى الفاعلة والصاعدة في المنطقة. ولعل من أبرز السمات التي جعلت من تركيا دولة حاضرة على الساحة الدولية الاستقرار السياسي الذي شهدته بعد عقود من الاضطراب والصراع السياسي الذي كاد يعصف بالبلاد، فعلى المستوى الداخلي تمكن الحزب من إطلاق مشروع سياسي ديمقراطي يقترب من مقاييس الديمقراطية الغربية، ولم تكن تلك مفاجأة في مجتمع طالما نادى قادته العلمانيون بأهمية الديمقراطية وبتتبعهم لخطى الديمقراطية الغربية، لكنهم فشلوا في إيجاد هذا النموذج عبر تجربة طويلة امتدت لأكثر من ثمانين سنة، وكانت المفاجأة أن يأتي حزب يوصف بالمرجعية الإسلامية ليقدم هذا النموذج في مجتمع ما زال يتمسك قادته السياسيون بالعلمانية التي فرضها مصطفى كمال أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة، وقدم الحزب بذلك صورة لما يمكن أن تكون عليه العلاقة بين التجربتين الإسلامية والعلمانية رغم أن الحزب يرفض وصفه بـ (الإسلامي) بل يصنف نفسه على أنه حزب مدني يميل إلى المحافظة وفقا للتصنيف السياسي. ورغم أن الحزب لم يستطع التخلص من إرث الممارسات السلبية لتطبيق العلمانية كالتدخل في الحريات الشخصية وسيطرة الروح القومية التي تمنع فئة واسعة من المواطنين -وهم الأكراد- أن يعبروا عن هويتهم الثقافية، إلا أنه استطاع أن يرسخ صورة ناجحة إلى حد كبير من الممارسات الديمقراطية، وقد أغرت هذه التجربة مجتمعات وشعوباً أخرى بالسير على نفس الطريق، وهذا ما يراه كثير من المحللين الذي يربطون بين الثورات العربية وتأثرها بالتجربة التركية، حيث أمكن لهذه الثورات المحافظة على إرثها الديني والمطالبة بالأساليب الحديثة من الممارسات السياسية خاصة الديمقراطية، فقد وجدوا في النموذج التركي فرصة لـ (المزاوجة) بين ما هو إسلامي وما هو ديمقراطي، وهنا يمكن الإشارة إلى موقف تركيا –الدولة- من الثورات العربية، ففي الوقت الذي وقفت تركيا إلى جانب ثورتي تونس ومصر، حتى وقف رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان مطالبا الرئيس المصري السابق حسني مبارك بالتخلي عن الحكم ومذكرا له بنهاية الحياة وبالموت الذي هو مصير كل حي!! نجد أن الموقف التركي اختلف من الثورتين الليبية والسورية، إذ بدا الموقف التركي أقرب إلى النظامين منه إلى الشعبين الليبي والسوري، معللا ذلك برغبته في إيجاد حل يحقن دماء الشعبين، لكن ذلك لم يمنع من أن كثيرا من العرب وجدوا في الموقف التركي انسحابا من المبادئ نحو المصالح فتركيا لها العديد من المشروعات والاستثمارات في ليبيا وسوريا، كما أنها قطعت شوطا واسعا في العلاقات مع كلتا الدولتين خاصة سوريا، مما وضع الحكومة التركية أمام موقف صعب تجاه الشركات والمستثمرين الأتراك، إضافة إلى أن تركيا استبقت بموقفها هذا أي مشاركة-ممكنة- في قوات حلف الناتو العاملة في ليبيا باعتبارها عضواً في الحلف، كما أنها أرادت أن تسجل موقفا أمام فرنسا -باعتبارها المتصدرة للشأن الليبي- حيث إن الأتراك لا يكنّون كثيرا من الود لفرنسا بسبب موقفها من انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، ومع هذا تغيرت البوصلة التركية في الأسابيع الأخيرة نحو كلا الثورتين الليبية والسورية حيث بدأ التحول بالنصائح ثم التحذير من العواقب، وانتهى بالمطالبة برحيل النظام الليبي، واتهام النظام السوري بأنه يرتكب «فظائع» تجاه شعبه وأن تركيا لن تستطيع أن تدافع عنه، ثم بفتح الحدود التركية أمام اللاجئين السوريين الفارين من الأحداث في سوريا. وكما نجح الأتراك في السير على الأشواك في المنطقة فقد استطاعوا أن يمارسوا سياسة خارجية ناجحة إلى حد كبير، فقد تميزت هذه السياسة بالاستقلالية والتواصل الجيد مع معظم دول المنطقة، ومما زاد من نجاح تجربة حزب العدالة والتنمية خلال الفترة الماضية، النجاحات التي حققها في المجال الاقتصادي فقد أخرج تركيا من الأزمة الاقتصادية التي كانت تمر بها إلى مستوى الدول ذات الاقتصاد القوي. يقول الخبير في الشؤون التركية لدى «مؤسّسة العلوم والسياسة في برلين» هاينز كرامر (Hines Kramer): «لقد زاد حجم الناتج المحلِّي التركي من 300 مليار دولار عام 2002 -عام تولي حزب العدالة والتنمية الحكم- إلى 750 مليار دولار عام 2008، ثم 915 مليار دولار عام 2009 بمعدل نموّ متوسطه %7.3 سنوياً. كما ارتفع مستوى الدخل الفردي السنوي من 3300 دولار (2002) إلى 10 آلاف دولار (2008) فإلى 13 ألف دولار (2009)، وارتفعت الصّادرات من 30 مليار دولار إلى 130 مليار دولار في الفترة نفسها. وبذلك انتقلت تركيا من دولة تحتل المرتبة السادسة والثلاثين في سلّم الدول المتقدمة إلى المرتبة الرابعة عشرة ويُتوقّع أن تكون في المرتبة الحادية عشرة في السنتين المقبلتين». إن تجربة تركيا الحديثة بقيادة حزب العدالة والتنمية تجربة تستحق الدراسة والتأمل، وهي تجربة لم تخل من السلبيات إلا أنها استطاعت أن تقدم نموذجا للدول التي يمكن أن تنهض متى توفرت لديها الإرادة الصادقة والإدارة الناجحة، وهي تجربة –ربما- تناسب الدول العربية، خاصة التي تمر بتحولات جديدة، إذ يمكن الاستفادة من التجربة التركية، ولكن لا يمكن نسخها وتطبيقها فلكل مجتمع طبيعته السياسية والاقتصادية التي تجعل منه تجربة أخرى. ? كاتب من الإمارات

اقرأ ايضا

عودة الاشتراكية!!

21 مايو 2012

زمن الجواري!!

20 يونيو 2011

الواقع.. وإرادة التغيير

29 يوليو 2013