السبت 13 ربيع الثاني / 28 نوفمبر 2020
 / 
10:33 م بتوقيت الدوحة

أفكار سابقة التجهيز..!!

أسامة عجاج
الإسلام السياسي لا يؤمن بالديمقراطية، ولا بآليات تداول السلطة، ويتعامل مع الانتخابات، مثل «عود الثقاب «يستعمله مرة واحدة، عندما سيصل إلى السلطة فلن يتخلى عنها أبدا.
ما سبق نوع من الأفكار المعلبة، التي يتشدق بها النخب السياسية والمثقفون تجدها في مقالاتهم، في أحاديثهم العامة، وتعكس أحد أمراضهم، فهم يصدرون الأحكام، فتصبح قانون من دون مناقشة، ويكذبون الكذبة ويرددونها، فتصبح في نظرهم هي الحقيقة المطلقة، التي لا يأتيها الباطل، وللأسف يقنعون بها العامة، ويتأثر بها الجماهير البسيطة، دون وعي، رغم أنها تحتاج إلى تدقيق وتمحيص ودراسة، وأنها تحمل أهداف سياسية، وتداري عجزا شديدا من تلك النخب، في التواصل الحقيقي مع الشارع، والاكتفاء بوجودهم في «أبراج عاجية».
وهذه محاولة لمناقشة موضوعية لتلك القضية، التي فرضت نفسها على الساحة، بعد ثورات الربيع العربي، والدور المهم الذي لعبته جماعات الإسلام السياسي في تلك المرحلة. ودعونا نشير إلى أن الوقائع قد تكذب ذلك الطرح، وتلك الفكرة، لغياب ما يمكن أن نطلق عليه «القياس»، وهو أمر معمول به في الفقه الإسلامي، لبيان الموقف الصحيح، الذي يؤكد ما ذهبت إليه الأفكار السابقة، بل العكس قد يكون مناقضا لذلك تماماً، مع محدودية عدد التجارب، التي يمكن حسابها على تيار الإسلام السياسي في الحكم، وهي نماذج لا تتعدى أصابع اليد الواحدة، ومنها تجربة حزب الحرية والعدالة في مصر، والتي لم تستمر سوى أقل من عام ونصف، سواء في البرلمان أو في رئاسة الجمهورية، وتجربة حزب النهضة في تونس، وكذلك حكومة حماس في أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية، وحزب العدالة والتنمية في المغرب.
وتحاول بعض النخب الفكرية العربية، الإشارة إلى إيران، باعتبارها أحد تجارب الإسلام السياسي، والغمز من خلالها لتأكيد مفاهيمهم المغلوطة، خاصة أن الحكم هناك لرجال الدين، وهم في السلطة منذ ثورة الخميني في العام 1979 وحتى الآن. يتغير الرئيس، ولا يتخلون عن الحكم، فهو من المؤسسة الدينية في كل الانتخابات، سواء تم حسابه على المعتدلين أو المتشددين، وهو بكل تأكيد قياس خطأ جدا، ومتعسف يتناسى متعمدا، الفرق الجوهري بين الإسلام السياسي السني والشيعي، الأول ليس فيه مرجعيات دينية، تؤمر فتطاع، تفتي فيلتزم الكل، تلك المرجعيات مسؤولة وفقا للمنهج الشيعي، عن أحوال الأتباع، من الأمور الحياتية وحتى القضايا السياسية، بل أحد مظاهر قوة المؤسسة الدينية الشيعية، التزام الجمهور بدفع خمس الدخل للمرجعية، ما يجعلها قوة فوق الدولة، أقوى منها، تتجاوزها بمراحل، ويمكننا ببساطة ملاحظة حجم البون الشاسع بين نفوذ رئيس الجمهورية الإيرانية، وقدرات المؤسسات سواء في ذلك الرئاسة والسلطة التنفيذية، أو البرلمان، وبين قوة المرشد الأعلى للثورة الإيرانية الذي يمسك بكل خيوط اللعبة والمقارنة مع الوسط السني مختلفة، فليس هناك مؤسسات ذات طابع سياسي، أو مرجعيات روحية، ولكن فقط نفوذ معنوي، ومن ذلك دور الأزهر في مصر، أو رجال الدين في المملكة العربية السعودية، اهتمامهم الأساسي منصب على القضايا الدينية. وأحوال المسلمين، أما السياسىة فهو أمر هامشي لديهم.
وبعيدا عن خصوصية التجربة الإيرانية، فهناك حالات في الوسط السني يمكن رصدها، ومنها حماس، التي وصلت إلى السلطة وحصلت على أغلبية المجلس التشريعي بالانتخابات الحرة والنزيهة، بشهادة منظمات دولية، راقبت التجربة ولم تستول عليها، وحاولت أن تتعايش مع تركيبة سياسية متناقصة، رئيس منتخب من فصيل سياسي آخر، هو الرئيس محمود عباس، والذي يتولى مسؤولية منظمة التحرير الفلسطينية، وهو الكيان صاحب النفوذ الذي يضم كل الفصائل بتوجهاتها السياسية المختلفة، وليس من بينها حماس أو تنظيم الجهاد. ومع ذلك واجهت الجماعة ومنذ اللحظة الأولى، برفض دولي وفيتو على التعامل مع الحكومة التي تم تشكيلها، ناهيك عن المناكفات السياسية من السلطة الفلسطينية التي اعتادت على تصريف الأمور من خلال تنظيم فتح، والعداء مع أجهزة الأمن الوقائي برئاسة محمد دحلان، وعندما أنهت سطوته ورجاله اعتبر الأمر انقلابا، يضاف إلى ذلك وجود إسرائيل كعامل مهم وحاسم، في الشأن الفلسطيني، الذي كرس من خلال الجغرافيا والأمن من عمليات انفصال الضفة عن غزة، واستفرد بحماس والقطاع باعتداءات وعدوان اتخذ صفة الدورية. ومع ذلك فإن حماس تنازلت في الأخير عن رئاسة الحكومة، رغم أنها صاحبة الأغلبية في المجلس التشريعي، فقط لتسهيل عملية إتمام المصالحة الفلسطينية، التي تتضمن إتمام الانتخابات البرلمانية والرئاسية المؤجلة، منذ سنوات، وهي بذلك تلتزم برأي الصندوق وبكل آليات الديمقراطية.
ونأتي لتجارب أخرى، تؤكد ذلك الالتزام من أحزاب الإسلام السياسي، ولنا في حزب النهضة النموذج الأفضل، فقد فاز بالأكثرية في انتخابات أول مجلس نواب بعد ثورة الياسمين، والذي كلف بكتابة الدستور، فسعى إلى التحالف مع قوى أخرى، شكل منها ترويكا حاكمة، تولى الوزارة وترك رئاسة الدولة والمجلس لشريكيه في السلطة، وعندما تأزمت الأمور في تونس، تخلي طواعية عن رئاسة الحكومة، لصالح مجموعة من التكنوقراط أدارت الدولة والأهم أنها أشرفت على أول انتخابات برلمانية ورئاسية، والأخيرة لم يتقدموا بمرشح لها. وعندما ظهرت النتائج وجاء في المركز الثاني في الانتخابات البرلمانية، تقبل الأمر، خاصة أن الأسباب معروفة، وفي المقدمة منها، أنه تولى المسؤولية بعد ثورة شعبية، ارتفع خلالها سقف تطلعات الجماهير، في ظل عدم استقرار أمني، وتراجع اقتصادي، ولم يضع العقبات، أو يثير الأزمات، بل طرح فكرة التحالف، مع الحزب صاحب الأكثرية «نداء تونس» والبديل الثاني المطروح هو أن يعمل في صفوف المعارضة، وهذه هي أصول الديمقراطية وأحكامها.
وفي نفس الإطار يمكن النظر إلى تجربة حكم حزب الحرية والعدالة القصيرة في مصر، ولعل من صميم الديمقراطية، الالتزام بالفصل بين السلطات، واحترام أحكام القضاء، والذي قضى بحل مجلس الشعب، وكانوا يحظون فيه بالأغلبية مع عدد محدود من حلفائهم، فالتزموا، واتخذوا نفس الموقف مع حل مجلس الشورى، وعدم دستورية تشكيل الجمعية التأسيسية الأولى لوضع الدستور، وأعادوا تشكيلها من جديد، في ضوء ملاحظات المحكمة الدستورية، بل هم من أصروا على تضمين دستور 2013، بندا خاصا بالرقابة المسبقة للمحكمة الدستورية العليا، على قانوني مجلس النواب ومباشرة الحقوق السياسية، ودفعوا لذلك ثمنا باهظا، حيث لم تمكنهم المحكمة من إجراء انتخابات برلمانية، كانت السبيل إلى حل الأزمة السياسية المحتدمة في مصر والتي بدأت من إصدار الإعلان الدستوري، ولم يكن الدكتور محمد مرسي استثناء في ذلك، فالمجلس العسكري فعلها بإعلانين أول ومكمل، وهو نفس ما سار عليه الرئيس الانتقالي المستشار عدلي منصور بعد أسابيع من توليه المنصب.
وفي نفس الإطار، يمكن فهم أداء حزب العدالة والتنمية في المغرب، الذي يسعى إلى الاهتمام بالقضايا الحياتية للشعب، والسعي إلى حل الأزمة الاقتصادية في إطار الملكية الدستورية.
وبعد: فإن الحديث عن عدم احترام الإسلام السياسي لقواعد الديمقراطية هو جزء من الصراع السياسي، الذي يعتمد على الأكاذيب والترويج لها والتعامل معها على أنها حقائق.

usama.agag@yahoo.com •

اقرأ ايضا

إعلام مأزوم

06 سبتمبر 2018

أنسنة العالم

02 أبريل 2020

المتحولون..!!

25 يونيو 2014

هل جاء زمن الحل؟ (1-2)

08 يناير 2015