الجمعة 19 شوال / 20 مايو 2022
 / 
05:44 م بتوقيت الدوحة

الأدب.. أم وسائل التواصل الاجتماعي !

إيمان عبدالعزيز آل إسحاق

الأديب نجيب محفوظ حياته معظمها كانت للقراءة والكتابة، حتى أنه لم يغادر مصر سوى مرتين: الأولى في رحلة قصيرة إلى اليمن، والثانية إلى يوغوسلافيا، لذلك فوزه بجائزة نوبل عن استحقاق. ولكن منافسه يوسف إدريس عبّر عن غضبه لأنه رأى نفسه هو الأجدر بهذه الجائزة. 
وببغداد التقى يوسف مع الروائي السوداني الطيب صالح، وقال له: (ما أعجبك يا رجل، أتريد أن تفعل كل هذا، أن تعشق، وتلعب، وتطوف بلاد العالم تلهو وتمرح، وتريد فوق هذا كله الحصول على جائزة نوبل). 
بالأمس القريب كانت أعمال الأديب وإنتاجاته هي تأشيرة حضوره في المشهد الأدبي، أما اليوم فحضوره في السوشيال ميديا لا يقل أهمية عن الأديب وكتاباته وإسهاماته فقط بكمية مشاركاته في حقل الأدب والثقافة عموما.
نرى تحويل وجهة البحث عن قاعدة من القراءة، إلى الانخداع بالمجاملات المفرطة، والنجومية الافتراضية والشهرة التي تجعل كل قول بليغ، ساقطاً، يحظى بالمتابعة والإشادة، وتزداد مؤشرات قبوله كلما ساير المعجبين ولو على حساب المنطق والتفكير السليم وحتى لو على حساب الحقيقة والواقع.
نعم، صار أديبا وكاتبا بوسائل التواصل الاجتماعي والسوشيال ميديا أقرب للجمهور من أي وقت مضى، وانهار البرج العاجي الذي كان يفصله عنهم.  ولهذا القرب تحقق شرط إنساني لا ننكره، والمتعلق بإنصات الأديب لنبض المجتمع، وتوظيف تكنولوجيا الاتصال لرصد تفاصيل من الحياة اليومية تغذي ملكته الإبداعية، وخاصة أن للقرب تكلفته كذلك، خاصة حين صار مؤهلا للمكانة الأدبية واليومية وقدراته على توصيل معلوماته.
لا نتناسى ما قدمته وسائل التواصل الاجتماعي من خدمة «موت الناقد»، وإن كان هذا سيئاً للأسف لم يعد الأديب بحاجة إلى وسيط بينه وبين القارئ. تلك الحرية التي أشاد بها بعض الأدباء، حيث تتيح التعرف على ملامح الخريطة الأدبية العالمية، وتفسح المجال لكل المواهب دون وصاية أو رقابة أحيانا كثيرة، هي نفسها الحرية التي جعلت من بعض «الطنطنات» الفارغة وإبطال الفاشينستا، والكتابات المتواضعة الركيكة بشكل مؤسف، نصاً أدبياً يسعى خلف قرائه، وينشأ معه عالماً أدبياً مرتبطاً بالوقت والمكان وتماشيا مع الواقع.
 يبحث معظم الشباب من الموهوبين عن التشجيع، وهذا أمر مطلوب وحق لهم، إلا أن التشجيع في السوشيال ميديا يأخذ طابع النجومية الزائفة، ويرسخ بعقولهم التسلق السريع لشجرة الأدب. 
ويكفي أن يلقي المرء إطلالة على صفحات بعض الكُتاب الشباب ليقف على سهولة كتابة وإصدار الروايات والأعمال الشعرية، بمساعدة من دور نشر لا يهمها في المقام الأول سوى بيع المنتج. وبينما كان الأديب يشتغل لسنوات طوال كي يؤسس عالمه الروائي أو الشعري، صار بإمكان شباب في العشرينات والثلاثينات أن يُصدروا قائمة كتب في ظرف قياسي حقيقة تحتاج لبحث وتروٍ وهدوء وانضباط.
وحين نتساءل ما الذي يتطلبه إصدار رواية مثلا؟
الجواب سهل وبسيط نحتاج لتوليفة من الحب والتضحيات والصراعات والأفكار والخيال وقد يكون واقعا، ثم وضع الجميع في خلّاط ونضغط على تشغيل لديمومة الفكر وتفعيل الإلهام وصنع بصمة خاصة بك في رواية تحمل ما مر بعقلك وما بصمته يداك وخطة عقلك بتفاصيله. وليس اقتباسا ورغبة بالظهور والانتشار والوصول للشباب فقط والانتشار سريعًا والوصول للترند.. وبعد أن كان الأديب منصرفا لشؤون الأدب وقضاياه، صار اليوم مندفعا بشكل غريب ليثير خلافات وانقسامات اجتماعية.
حقيقة نفتقد أدباءنا الأوليين والأمجاد العربية فأصبحنا في «لخبطة» وسائل التواصل الاجتماعي، وأدباؤها ضائعون لا نعلم هل نجاريهم أم فقط نتقبل التغيير ونمضي؟!

اقرأ ايضا

اقرأ وارتقِ وتوكل

13 أبريل 2022

بداية رحلة مع قلمي

09 نوفمبر 2021

كن خارج الصندوق.. لتعيش

19 أبريل 2022

الحب رحمة وراحة

16 نوفمبر 2021