الأربعاء 11 ربيع الأول / 28 أكتوبر 2020
 / 
04:58 م بتوقيت الدوحة

الوجود الأجنبي والسيادة الوطنية

عادل إبراهيم حمد
يدور في السودان هذه الأيام، نقاش حول قرار المنظمة الدولية بالاستجابة للطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، باستقدام بعثة أممية تعين الحكومة الانتقالية على إنجاز مهامها، وأهمها تحقيق السلام وإكمال التحول الديمقراطي بإجراء انتخابات حرة نزيهة، نشارك في النقاش الدائر بمدخل عما إن كان في مطلب الحكومة انتقاص للسيادة الوطنية.
بما أن السودان عضو في المنظمة الدولية، فإن العضوية تفرض عليه واجبات وتمنحه حقوقاً، يأتي على رأس الواجبات الالتزام بمواثيق المنظمة، واستفاد السودان في بند الحقوق مما تقدمه منظمات تابعة للأمم المتحدة مثل اليونسكو واليونيسيف ومنظمة الصحة العالمية، دون أن يثير الأمر أية حساسيات، لكن الانتفاع من وجود بعثة أممية يثير حساسيات ومخاوف، لأنه قد يجرّ إملاءات وتدخلاً في الشأن الوطني، خاصة إذا جاءت البعثة وفي معيتها قوة عسكرية، إلا أن الحكومة السودانية أزالت هذه المخاوف بالتأكيد على أن البعثة الأممية قادمة وفق الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة الذي يجعل طبيعة البعثة إدارية سياسية، تعين على استحقاقات السلام مثل نزع السلاح والتسريح أو الدمج واستقرار النازحين واللاجئين، وعلى استحقاقات التحول الديمقراطي مثل التدريب والإعداد للمؤتمر الدستوري ومقابلة تكاليف الانتخابات، وهي طبيعة تختلف عن طبيعة البعثة التي تستقدم وفق الفصل السابع، الذي يمنح البعثة حق التدخل العسكري وتنفيذ العقوبات.
إن الأمر واضح، لكن المزايدين من معارضي حكومة الثورة يتغابون مدعين فهماً مغلوطاً، ومتعامين عن رؤية ارتباط الحكومة الحالية بشعارات الثورة في السلام والتحول الديمقراطي، اللذين لا يمكن تحقيقهما بإمكانات السودان المحدودة، وإذا تناولنا الأمر بعمومياته، فإن الشعوب المقهورة من الأنظمة الوطنية لم تعُد تقدس «قشرة» الوطنية، بعد أن صارت ستاراً تحتمي وراءه الأنظمة الوطنية القمعية، وهي تهدر قيم العدالة.
لقد عانت جُلّ شعوب العالم الثالث من تعسف مؤسسات وطنية، حيث يطيح الجيش الوطني بالحكومة المنتخبة ويزجّ برئيسها ووزرائها في السجون، ويبتدل الديمقراطية بانتخابات مزوّرة يحال فيها بين الشعب وإرادته الحرة، وما يصحب ذلك من تهديد للمرشحين المعارضين وسرقة الشرطة الوطنية لصناديق الاقتراع، ورفض القضاء الوطني أية شكاوى من المرشحين أو الناخبين، ويلاقي المعارضون من أجهزة الأمن الوطنية كل صنوف الإذلال والتعذيب، حتى ضاقت هذه الشعوب بتلك الجرائم، ولم تجد حرجاً في الاستغاثة بمقرر لجنة حقوق الإنسان الأجنبي، الذي ردّ لها حقوقها وحدّ من جموح الحكومات الباطشة، بعد أن أيقنت أنها تحت رقابة مؤسسات خارجية لها أعين رقيبة وأذرع طويلة.
لقد مرّت الوطنية بمراحل فتألقت في بدايات العهد الوطني، والشعوب خارجة للتوّ من حقبة الاستعمار إلى فضاء الحرية، تلك أيام الزهو بإنجاز الاستقلال العظيم، الذي اقترن بحساسية شديدة من أي مظهر لوجود أجنبي قد يُذكّر الشعوب المنتصرة بحقبة الاستعمار، ويخدش صفحة الاستقلال الصقيلة، لكن ومع مرور الزمن، تراجع هذا الشعور، ولم يعُد للعهد الوطني ذاك البريق، وليس مزعجاً أن تعزى الحالة لمفارقة مألوفة بين التطلعات والواقع، لكن المؤسف أن الحالة كانت بسبب فشل الأنظمة الوطنية في تحقيق تطلعات نجح المستعمر في تحقيق بعضها، بل لقد فعلت بعض الحكومات الوطنية بشعوبها ما لم يفعله المستعمر، فأُزهقت أرواح وأُريقت دماء في الصراعات الداخلية، أضعاف الدماء التي أُريقت في معارك التحرير، ليبرز التساؤل إن كانت الوطنية المنشودة هي مجرد جلوس أشخاص من بني جلدة الشعب على كراسي الحكم.

اقرأ ايضا