السبت 13 ربيع الثاني / 28 نوفمبر 2020
 / 
11:23 ص بتوقيت الدوحة

صراعات «شاور وضرغام» تعود للمنطقة العربية مجدداً!! (3-3)

أحمد حسن الشرقاوي
في الأسبوع الماضي، توقفنا عند الحملة الثانية التي أرسلها نور الدين محمود زنكي إلى مصر، لمساندة الوزير شاور في صراعه مع الخليفة العاضد آخر خلفاء الدولة الفاطمية في مصر، ونجاحها في تنصيبه مجددا ثم نكوصه عن وعوده لأسد الدين شيركوه ومطالبته له ولجيشه بالعودة للشام مرة أخرى بل وطلب النجدة من ملك بيت المقدس الصليبي ضده.
وتقول الدراسات التاريخية إن شيركوه كان الأسرع هذه المرة ووصل إلى القاهرة قبل أن يعترضه جيش أموري. وتقابل جيش شيركوه على ضفة النيل الغربية وجيش «أموري وشاور» على الضفة الشرقية وتمكن جيش شيركوه من صد محاولاتهم لعبور النيل، ثم تظاهر بالانسحاب جنوباً فتبعه أموري بجيشه، فأطبق عليه جيش شيركوه ونجا أموري من الموت بأعجوبة في مكان اسمه «البابين» جنوب محافظة المنيا الحالية بصعيد مصر. وفرت جيوش شاور وأموري شمالا إلى القاهرة.
لم يطاردهم شيركوه إلى القاهرة، لكنه بدلاً من ذلك اتجه إلى الإسكندرية ليفتحها، وكان أهل الإسكندرية يكرهون شاور لتحالفه مع الصليبيين، ولكن شيركوه وقع في فخ نصبه له أموري الذي حاصره في الإسكندرية بمساعدة أسطول الصليبيين في البحر المتوسط.
استطاع شيركوه أن ينسل بجيشه خارج الإسكندرية وترك حامية مكونة من ألف رجل يقودها ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي لتواجه حصار جيش أموري وشاور. حاول شاور أن يفاوض أهل الإسكندرية ليسلموا له صلاح الدين مقابل فك الحصار ولكنهم رفضوا أن يسلموا صلاح الدين للخائن شاور لأن معه الصليبيين. دام حصار الإسكندرية والحامية أربعة أشهر واضطر شيركوه أن يدخل في مفاوضات مع أموري لفك الحصار.
وتم الاتفاق على أن ينسحب أسد الدين شيركوه بجيشه من مصر وأن تدفع الضرائب من مصر لأموري ملك بيت المقدس في مقابل جلاء القوات الصليبية عن مصر.
وكانت هذه المفاوضات هي أول اتصال مباشر بين صلاح الدين والصليبيين، ويحسب لصلاح الدين أنه أدار المفاوضات بمهارة وحصل على جلاء الصليبيين عن مصر.
لم يتخل أموري ملك بيت المقدس عن حلمه بالاستيلاء على مصر، لكنه أدرك أنه لن يتمكن من مواجهة جيوش نور الدين محمود وحده. لذلك سعى إلى عقد صفقة مع الإمبراطور البيزنطي ليتقاسما مصر بينهما على أن يمده الإمبراطور البيزنطي بجيش يسانده.
سار أموري بجيشه إلى مصر عام 1168 ميلادية بدعوى أن شاور لم يدفع له الضرائب المتفق عليها، وهزم الجيش الفاطمي بقيادة شاور في بلبيس وسار إلى القاهرة. استنجد شاور بنور الدين محمود لينقذه من الصليبيين هذه المرة. قدر نور الدين خطورة سقوط مصر في يد الصليبيين، فقرر إرسال حملة ثالثة بقيادة شيركوه وصلاح الدين هذه المرة ليتخلص نهائياً من شاور والحكم الفاطمي والتهديد الصليبي ويضم مصر إلى الشام تحت إمرته.
أصبح شاور يائساً من مواجهة الهزيمة على يد الصليبيين وجيش شيركوه، فعمد إلى اللعب على الطرفين حيث قام بدفع ثلث ريع مصر إلى نور الدين محمود ليحميه من الصليبيين، وفي الوقت نفسه قام بتحذير أموري من قدوم جيش نور الدين ليكسبه في صفه.
ثم قرر شاور حرق مصر (الفسطاط) لعرقلة دخول الصليبيين للقاهرة، وأمر أهل الفسطاط بترك بيوتهم ومحالهم والانتقال إلى القاهرة التي بناها المعز، وقام بإحراق الفسطاط عن آخرها، وظلت النار مشتعلة فيها 54 يوماً، وكان الدخان يرى على مسيرة 3 أيام، وبذلك ضاع كل أثر للفسطاط التي بناها عمرو بن العاص ولم يبق منها إلا مسجده!!
عندما سار جيش الصليبيين بقيادة أموري لاعتراض جيش شيركوه، استطاع شيركوه الماكر بقواته السريعة أن يفلت منهم وأن يدخل القاهرة في 6 من ديسمبر 1168 م من دون أدنى مقاومة، وكانت هذه المفاجأة كافية لأموري الذي وجد نفسه أمام جيوش مصر الفاطمية وجنود نور الدين من الشام وقد اتحدت ضده، فقام بسحب جيشه من مصر وعاد إلى بيت المقدس وقد ضاع حلمه بالاستيلاء على مصر.
أصبح شيركوه الحاكم الحقيقي لمصر ولكنه لم يعزل الخليفة الفاطمي، فقد كان الخليفة الفاطمي مريضاً مرضاً لا يرجى شفاؤه، فآثر شيركوه أن يتركه يموت في سلام.
انحنى شاور أمام شيركوه ليسترضيه وكان يأتيه بالهدايا كل يوم، ولكن صلاح الدين أصر على قطع رأس شاور، وقام بالقبض عليه وقتله بعد موافقة الخليفة العاضد، وفرح المصريون فرحاً عظيماً بمقتل شاور الخائن.
بعد تعيينه بشهرين وزيراً على مصر توفي أسد الدين شيركوه، وخلفه ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي على وزارة مصر في 26 مارس عام 1169م/25 جمادى الآخر 564 من الهجرة، وكان عمر صلاح الدين وقتها لا يزيد على اثنين وثلاثين عاماً.
ومنذ ذلك الوقت، انتقل مركز الثقل في العالم الإسلامي إلى مصر واستمر فيها إلى أن هزم الأتراك العثمانيون سلاطين المماليك في مرج دابق عام 1516 ونقلوا مركز الثقل في العالم الإسلامي إلى اسطنبول بعد أن استقر في القاهرة أكثر من 350 عاما.

• Sharkawi.ahmed@gmail.com