الأحد 8 ربيع الأول / 25 أكتوبر 2020
 / 
10:35 م بتوقيت الدوحة

هل تحتمل أميركا والعالم ولاية ثانية لترمب؟

عبدالوهاب بدرخان
لم يخطئ دونالد ترمب أبداً بالنسبة إلى معاييره الشخصية، حتى في مقاربته لواقعة مصوّرة، مثل قتل الشرطي الأبيض ديريك شوفين المواطن الأسود جورج فلويد؛ إذ أذهل الرئيس الأميركي مواطنيه جميعاً بتعامله الفظّ مع ردود الفعل الغاضبة، من دون التوقّف عند الجريمة في حدّ ذاتها، ليكون واضحاً بعدم التمييز بين اللونين، وحاسماً بعدم التساهل مع شرطي يفترض أنه ممثل للقانون، لكنه بالغ في استخدام سلطته. والأهم أن الموقف المنطقي المتوقّع من الرئيس أن يلتزم خطاب تهدئة، وتوحيد مختلف فئات الشعب، غير أن ترمب اختار صبّ الزيت على النار، كما وصفه العديد من جمهوريي حزبه، عدا خصومه من ديمقراطيين وسواهم.
مشاهد التظاهرات الصاخبة وما رافقها من أعمال عنف وتخريب ونهب غزت العالم واستوقفته بل أخافته، فأميركا مركز النظام الدولي، وكل ما يحدث فيها ينعكس على خارجها، أيّاً تكن درجة التأثر به من حلفاء وأصدقاء وأعداء، حتى لو بدا هؤلاء جميعاً موزّعين بين الاستنكار (الدول الغربية)، والشماتة (الصين وإيران)، واللامبالاة (روسيا)، ليس هيّناً أن تستعيد أميركا مناخات الصراع العنصري، بعدما أوحت بأنها عالجته وتجاوزته بوسائل شتّى بينها القوانين، لكن مَن تابع مسيرة ترمب من حملته الانتخابية إلى دخوله البيت الأبيض لم يُفاجأ، ومَن حلّل استجابته لأحداث شارلوتسفيل عام 2017 لم ينسَ محاباته مجموعات متطرفة من البيض دخلت في مواجهة مع السود.
لا يكفي لتفسير ذلك القول إن الناخبين الأفرو- أميركيين لم يصوّتوا لترمب، أو إنه لا يعوّل عليهم لإعادة انتخابه، فالمعضلة الحقيقية هي في نمط الهوية الذي تعبّر عنه شخصيته وسياساته. فغداة انتخابه عام 2016 ذهب مفكرون ومحلّلون بأنه سيقود أميركا إلى انقسام حاد في أفضل الأحوال، وإلى حرب أهلية في أسوأها.
في الأحداث الأخيرة كانت ظواهر الانقسام جليّة في تفجّر المشكلة الاجتماعية على خلفية «العنصرية المؤسساتية» (وفقاً لتعبير جو بايدن)، وكادت عناصر الحرب الأهلية تتجمّع بعدما وصف ترمب المحتجّين بـ «الفوضويين والسارقين وقطّاع الطرق»، وراح يحرّض حكام الولايات والحرس الوطني على التعامل معهم بالقوّة، وصولاً إلى التلويح بإنزال الجيش ليعيد الهدوء إلى الشارع، غير أن قادة الأمن لم يستمعوا إليه فيما أحبط البنتاجون دعواته. وفي الأثناء خرج إلى العلن، للمرّة الثانية، حديثٌ عن «ميليشيات» مسلحة من أنصار ترمب مستعدة لمواجهة المتظاهرين. وبات محلّلون يستندون إلى وجود مثل هذه الميليشيات لتوقّع معركة انتخابات رئاسية «شرسة» للغاية.
كان من الطبيعي والمنطقي أن تُستعاد صورٌ لفلسطينيين قتلهم إسرائيليون وسوريين قتلهم أسديّون بالطريقة التي قُتل بها فلويد، بل بأبشع منها، ولذلك أشار بعض الإعلام الأميركي إلى أن ترمب يتصرّف على غرار المستبدّين. والمسألة الأكثر إقلاقاً الآن تُطرح في السؤال: هل تحتمل أميركا «والعالم» أربع سنين ترمبية أخرى؟ كان هذا الرئيس بشّر بـ «أميركا عظيمة مجدّداً»، فإذا به يكاد يحطمها، لولا أنها أعظم منه. ومع أنه أخفق في إدارة أزمة تفشي الوباء الكوروني، وليس مرجّحاً أن ينهض بالاقتصاد في غضون الشهور المقبلة، فإن حظوظه الانتخابية تأثرت سلباً، إلا أنها لا تزال كبيرة، نظراً إلى اعتماده على قاعدة صلبة (40%) متماهية مع أهدافه وتعصّباته ولا تقبل بسهولة مغادرته المشهد. وهذا يتناقض جذريّاً مع «القوة الناعمة» التي يعتمدها المرشح الديمقراطي، محاولاً الاستفادة من أخطاء منافسه، لكن تلك الأخطاء هي التي تعزّز شعبية ترمب.