الأربعاء 11 ربيع الأول / 28 أكتوبر 2020
 / 
10:21 م بتوقيت الدوحة

من فزاعة «دولة غزة» إلى سياسة «البلوك»!

رضوان الأخرس
المتتبع سياق التطورات منذ الحديث عن «صفقة القرن» والتسريبات والتكهنات المتعلقة بها، إلى لحظة خروج تفاصيلها للعلن، يرى أن تصريحات عدد من المسؤولين الفلسطينيين، وبالأخص منهم مسؤولي السلطة، تركزت على فزاعة مفترضة تتحدث عن سعي غزة لإقامة دولة بعيداً عن الضفة الغربية المحتلة، وكأن دولة في كلا المكانين أقصى المنال!
ضخ أولئك المسؤولون العديد من التصريحات المخوفة من الأمر والمشككة من وطنية الجهة المفترضة التي تتآمر على حد زعمهم مع الأميركان والإسرائيليين على فعل ذلك من داخل غزة، وهذا كله قلب للصورة الحقيقية وحرف للمعركة عن مسارها الصحيح، فالمعركة بالأساس مع الاحتلال، فبدلاً من التوجه لمواجهته، وبالمحصلة مواجهة الصفقة، ذهب هؤلاء لتعزيز الاستقطاب الداخلي الفلسطيني في سلوك لا أراه بريئاً البتة يفيد «الصفقة» ولا يضرها.
هم ذاتهم الذين وقعوا أوسلو وقبلوا أن يقيموا دولة على أجزاء من فلسطين ويستثنوا بقية الأرض والسكان، ولم يشركوا حتى غالبية الشعب الفلسطيني في الشتات لا بصنع القرار ولا بالعملية الأساسية، بما في ذلك الانتخابات واختيار المسؤولين، فظلت السلطة محدودة ومحصورة ومحاصرة وقابلة للإلغاء والتآكل، ذلك أنها لم تعبر عن الشعب كاملاً، بل همّشت الجزء الأكبر منه، وعطلت دوره الوطني، وظلت حبيسة «اتفاقيات» ومعاهدات تفريط، وكانوا على عهدهم مع من ليس له عهد ولا ذمة، وقد أحرق الاحتلال ذلك المسار بالنهاية، وداس عليه بمخطط «الضم»، وما سبقه ولحقه من مخططات تقول في محصلتها لا مستقبل لتلك السلطة، حتى وإن كانت ناقصة ومنقوصة.
تكشفت معالم الصفقة، وكما بات معروفاً فهي تستهدف الضفة وأراضيها، حيث مؤسسات السلطة ومناطق نفوذها وسيطرتها وموقع الدولة المفترضة، وبعد أن تبين أن مشروع السلطة في طريقه إلى الزوال، وأن الفلسطينيين في الضفة سيعيشون فيما هو أشبه بالكنتونات المحاصرة بين المستوطنات والمواقع التي يسيطر عليها الاحتلال، يبدو أن مسؤولي السلطة وآخرين قرروا الذهاب نحو استراتيجية جديدة لمواجهة ذلك إن صح وصفها باستراتيجية أو كانت حقاً مواجهة!
وتعتمد على عدم الفعل وليس الفعل ذاته، سقف كل الخطوات حتى اللحظة -بعيداً عن الخطابات والشعارات- هو اللا فعل، مثلاً عدم استلام عوائد الضرائب والمقاصة من الاحتلال، وعدم «التنسيق» مع الاحتلال (ملامحه غير واضحة)، أقرب لسلوك الشخص الذي يعتب على صديقه أو ابنه أو زوجته فلا يجيب على كلامه أو رسائله، كما لو كنا أمام علاقة انتابها بعض المشاعر الضارة، أو صلة عاطفية كاذبة تنتهي بـ «البلوك».
لا يلمس حتى اللحظة وجود مسار رسمي أو سياسة من شأنها أن توقف هذه الهجمة الاحتلالية المتوحشة ضد الأرض والإنسان المسمّاة بخطة الضم، وإن هذا وإن كان يدان فيه طرف ويلام آخر إلا أن الملامة والإدانة، لا ترفع المسؤولية عن البقية في هذه الأمة.