الثلاثاء 10 ربيع الأول / 27 أكتوبر 2020
 / 
08:35 م بتوقيت الدوحة

عدسةُ ابن خفاجة

زينب المحمود
عندما بلغ ثمانين حجة من عمره، لم يشْكُ ابن خفاجة الأندلسيّ مللاً من الحياة كما سئم منها زهير في حوله الثمانين، ولا من تعبها وطولها كما فعل لبيد في عامه التسعين، بل شكا الضعف فحسب، فما يُملّ عيش في الأندلس، وهكذا يطابق حكمة أبي الطيب القائل فيها:
وإِذا الشيخُ قال أُفٍّ فما ملَّ
حياةً وإِنما الضعفَ ملّا
والآن، بعدسة ابن خفاجة المرهفة التي اختصّت بالغزل على نحو سائر العدسات هناك، نرى قسطاً من تصوير الشاعر لمشيبه، وأيّ المعاني انتقى، وأيّ التشابيه اقتفى لتجسيد فكرة المشيب مقابل الشباب، والصبا مقابل الكهولة:
أَيُّ عَيشٍ أَو غِذاءٍ أَو سِنَه
لِابنِ إِحدى وَثَمانينَ سَنَه
قَلَّصَ الشَيبُ بِهِ ظِلَّ اِمرِئٍ
طالَما جَرَّ صِباهُ رَسَنَه
لم يبقَ في جسمه ما يمتّعه بأطايب الطعام، ولا أقداح المُدام، ولا بعميق المنام، وقد أفلح الشاعر في القياس، إذ جعل انحسار الصبا أمام الشيخوخة كانقباض الظلّ أمام الرمضاء وحارقة الشمس، ولائق بالظل تمثيل نضرة الشباب ووفرته وريعانه كما هو لائق بالشمس تمثيل تصحر الكهولة وجفافها وعصفها المأكول، ثم يعرض الشباب في صورة أكثر حركة وفوراناً وجنوناً، كجواد يجرّ رسنَه ويمشي بلا هوادة على غير بصيرة.. وفي عرض آخر للفكرة ذاتها تتغير الأدوات قليلاً:
فَإِن غاضَتِ الأَيّامُ ماءَ شَبيبَتي
وَمالَت بِغُصنٍ مِن قَوامِيَ ناعِمِ
ظلٌّ انحسر أو ماء غيض، الأمر وما فيه هو تراجع القابلية واضمحلال نجعة الفتوّة، واتساع البيت أيضاً ليشتمل على صورة فيزيائية للشاعر، وقد انحنى كانحناء عذق الشجر بعد جولة طويلة من هبوب الرياح.

اقرأ ايضا

مدارس روضة راشد

14 أكتوبر 2018

منظار امرئ القيس

03 نوفمبر 2019

أمرٌ عجيب!

24 يوليو 2016

فضيلة

03 سبتمبر 2017

«جامع الكلم»

26 مايو 2019

جنّة أبي تمّام

21 يونيو 2020