الجمعة 9 جمادى الآخرة / 22 يناير 2021
 / 
05:27 ص بتوقيت الدوحة

عالم البوتقة

د. زينب المحمود
تكثر الاجتماعات في هذه الأيام، وتكثر معها التصورات والأفكار، ويأتي أحدهم ليقول: إنّ الفكرة الجوهرية للمحور الأساسي حول القضية الفعلية وما تحتاجه من خطط استراتيجية وخطوات إجرائية، وما يؤدي إليه الوضع الراهن في بوتقة المعرفة... إلخ من كلام (لا يودّي ولا يجيب)، ويجلس البعض ليستعرض معلومات لا تخص محور الحديث، فيطول الحديث ونحن حول المحور والبوتقة والتبلور، من دون الوصول إلى نتيجة سوى أنّ هناك اجتماعاً انعقد وتمت مناقشة قضية، ويصدر محضر اجتماع، ويتم تدوينه ضمن جداول الأعمال الإدارية، بالله علينا، لم نفعل ذلك، ونحن نستطيع بجمل معيَّنة أَن نحدِّد مسار الاجتماع، ونحقق الهدف المطلوب من دون هذه الغارات الكلامية، والبوتقات اللا فائدية، والسياقات اللا موصلة لنتيجة محتمة؟
إن العصر الراهن يجعلنا نخرج من العادي إلى اللا عادي، ونلتفت إلى ما وراء المستحيل، لأنّ هذا العصر يحتم علينا أن نواكب كلّ جديد. فلماذا لا نجعل اجتماعاتنا تتماشى مع متطلبات العصر؟ لماذا نصدق أننا يجب أن نطيل ونحيل ونميل... حتى يقال: إِنّ الاجتماع مهمٌ وخطر؟.
إن الكلمة كائن حيّ، له جسد وروح، ورحم الله الشيخ عبد الحميد كشك الذي قال لشدّة حرصه على توجيه الكلام وعدم الإطالة فيه، والاستمالة: «أردد كثيراً من عبارات خطبتي مع نفسي قبل إلقائها أمام الناس»، فإذا أردت التميز في حضورك: نافس نفسك ولا تنافس الآخرين، وكن الفارس الوحيد في الساحة، وتمتع بحضور قوي ونية صادقة في الاستفادة من الاجتماع للوصول إلى مراد يخدم مقرَّ عملك والمجتمع، فالناس يصدقون لغة جسدنا ولا يصدِّقون كلماتنا، وقد أثبتت الدراسات العلمية أن الكلمة لها تأثير بنسبة %7 ولغة الجسد %55 ونبرة الصوت %37 فتأكد أن القاعدة الناجحة للتواصل تنصُّ على مهارة الحديث والسرعة والإتقان، وليس الاستعراض والاستعلاء وإضاعة الوقت.
ليس هذا فحسب فهناك اجتماعات يتصاعد فيها الشهيق والزفير ليخترق طبقة الأوزون، ويحدث ذلك الإزعاج الذي قد ينجم عنه إحباط وشعور بالملل، وأن الكلام لا فائدة منه!! الكلام نعمة ربانية جعلها الله وسيلة أساسية للتواصل بين البشر وبينهم وبين خالقهم، فلماذا لا نحسن استخدامه، فوالله ليس المهم مَنْ تكون ولكن المهم ماذا تقول (تحدث حتى أراك)، وليس المهم أن تستعرض عضلات بوتقة المعرفة عندك، ولكن الأحرى أن تصل لشط يحقق أهدافك. فلنكن أكثر حيوية في التفاعل مع وجودنا معاً، فالمهم طريقة الوصول إلى حل القضية وتحقيق الأهداف، لا الشكوى والعويل من وجود الظاهرة ووجود العراقيل، فالمشكلة واقعة لا محالة، والاجتماع حدث لعلاجها، فلماذا تدور حولها وتثرثر في ضخامتها؟
تأَمَّل: لما هوى السيف قطع، ولما اشتعل البرق سطع، ولما تواضع الدر رفع، ولما جرى الماء نفع.
تكلَّم وسدِّد ما استطعتَ فإِنَّما كلامُك حي والسكوت جمادُ
فإنْ لمْ تستطعْ قولاً سديداً تقولُه فصمتُك عن غير السَّدادِ سدادُ

اقرأ ايضا

أيها المعلم.. كفى صراخاً

21 أكتوبر 2018

الرّبابُ والشعر

10 نوفمبر 2019

برّوا أبناءكم.. تُبَرّوا

20 نوفمبر 2016

درس الصيام

02 يونيو 2019

جنّة أبي تمّام

21 يونيو 2020