الثلاثاء 16 ربيع الثاني / 01 ديسمبر 2020
 / 
05:19 ص بتوقيت الدوحة

روسيا والوحل الشامي

د. أحمد موفق زيدان
مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي البوتني في مارس المقبل، تُسجل الحملة الانتخابية التي دشنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتن يوم أعلن نصره على تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» في قاعدة حميميم فشلاً ذريعاً، تطور الأمر إلى إصابة طائرة السوخوي 25 الروسية بصاروخ حراري في سراقب ومقتل قائدها، وكعادة الجيوش المحتلة حين تفشل في المواجهة العسكرية مع العسكريين والثوار تلجأ إلى الأساليب القذرة في استهداف المدنيين، فكان القصف بالصواريخ الباليستية من البارجة الروسية البحرية، لتفتك بعشرات الضحايا المدنيين قتلاً وجرحاً، بعضهم ممن نعرفه، ليخرج المحتل متباهياً بقتله مسلحين، وهي العبارة المعروفة الممجوجة، التي أتقنها برابرة العصر وكل عصر.
فشل بوتن في حربه بالشام، واستعجل الإعلان عن نصر خُلّبي يوم أعلنه من قاعدة حميميم، والذي لم يصمد لأيام حتى تعرضت قلعته في حميميم لعاصفة طائرات بلا طيار، فدمرت سبع طائرات في القاعدة، وضربت هيبته، وقت سعى إلى الظهور بمظهر الطاووس المنتصر، فكان ريشه أشد المعادين له، وتواصل الفشل الذي أدمن عليه سياسياً يوم قاطعت المعارضة السورية كلها مؤتمر «سوتشي»، وهو ما تسبب له في ذعر حقيقي، فأعلن سياسة الأرض المحروقة على المدنيين في شرقي إدلب وحماة وجنوب حلب، قتلاً بكل أنواع الأسلحة، وسط صمت عالمي غير مسبوق، ولكن قضى الله تبارك وتعالى أن تكون في الحملة مقتله يوم تم إسقاط طائرة السوخوي، فهزت هيبته وهيبة سلاحه الذي يتباهى به صباح مساء، مما غيّب عن الأجواء طائراته، خشية من وجود صواريخ حرارية أخرى بحوزة الثوار.
هذا الوضع يأتي في ظل الحديث الغربي والشرقي الروسي عن مخاوف روسية حقيقية من انزلاق روسيا نحو حرب شامية طويلة الأمد، لا سيما والذاكرة الروسية غضة طرية من أحداث الحرب الأفغانية، بالإضافة إلى أن الغزو الروسي للشام الذي أتى في سبتمبر من عام 2015 كان مقرراً له أشهر فقط، ثم الانسحاب، بينما يدخل الآن عامه الثالث، وتخلله خلال هذه السنوات الإعلان عن انسحابين دون أن يكتملا، وهو ما يعني أن المهمة الروسية تأخرت عن ميعادها الذي حدد لها.
الثمن الذي تدفعه روسيا اليوم في الشام لإبقاء عصابة طائفية مجرمة على رقاب الشعب السوري قد يكون بمنظارها القريب ثمن هزيل بسيط، ولكن الثمن الأكبر والبعيد المدى هو الأخطر معنوياً وأخلاقياً على سمعة روسيا الدولية والإقليمية والشعبية، وحتى بالمنظور البعيد، فإنه إذا ما استمر الغزو والاحتلال للشام، فإن حرب عصابات حقيقية ستكون هي المتوقعة، فاللعبة الحقيقية مع الاحتلال لم تبدأ بعد، إذ لا يزال يتم التعامل معه واقعياً وفعلياً، على أنه يسعى لتغيير نظام، خصوصاً مع وساطته في الأستانة، ووجود الغطاء التركي له، وأسباب أخرى كثيرة، ولكن حال تم رفع الغطاء التفاوضي والغطاء التركي عنه، فستكون للعبة قواعد جديدة، يدفع ثمنها بشكل كبير ومفتوح الروس أنفسهم، ولا ننسى أن لهم أعداء كثر يريدون النيل منهم في الشام.
ومن الأثمان غير المرئية التي تدفعها وستدفعها روسيا أكثر، هو فضح آلتها العسكرية المتهالكة، فإن كانت طائرات السوخوي المعروفة لم تستطع أن تصمد أمام مقاومة محرومة من جميع أشكال الدعم الجوي العالمي، فكيف ستصمد مثل هذه الآلة أمام دول إقليمية وكبرى وترساناتها العسكرية المعهودة، ومن قبل رأينا كيف تم اختراق الثكنة العسكرية في قاعدة حميميم، ولعل المتتبع لخطابات بوتن والقادة الروس يلمس هذا التأكيد المتواصل على اختبار أسلحتهم وصواريخهم في الشام في حملة تسويقية يومية، من أجل عرض أسلحتهم المختبرة على أجساد السوريين وأرضهم في بازارات السوق العالمي، لكن لم تجد لها زبائن حتى الآن.
الآن في ظل هذا التيه الروسي والعالمي في الشام، ماذا يتوجب على الفصائل فعله، باعتقادي أنه من غير المناسب أن تتحدث الفصائل عن غرفة عمليات بعد سبع سنوات من انطلاق أعظم ثورة ربما في تاريخ البشرية، ألم تتطور هذه الغرف لتكون حالة توحد واندماج؟ أم أن المكتوب على الفصائل هو غرف عمليات تنسحب منها متى تشاء، وبالتالي تُحرم من ترجمة أي انتصار أو تقدم عسكري لانتصار سياسي، بحيث يقطف ثمار الدماء والأشلاء سياسياً جهات أخرى؟ ينبغي أن تُجيب الفصائل عن هذا السؤال؟ وعليها أن تحدد ما الذي يحول دون هذا الاندماج؟ فيما إذا كانت أسباب داخلية فصائلية أم خارجية أم الاثنين معاً؟