الثلاثاء 13 جمادى الآخرة / 26 يناير 2021
 / 
03:03 ص بتوقيت الدوحة

المعارضة السورية والمهمة الأصعب

إياد الدليمي
احتاجت أطراف المعارضة السورية نحو ستة أشهر من أجل أن تجد لها أرضية مشتركة تنطلق منها للتعامل مع مستقبل بلادها الذي يمر بمنعطف هو الأخطر والأكثر حساسية في تاريخ سوريا الحديث. ورغم كل ما يقال هنا وهناك من أن المجلس الوطني الذي أعلن عن تشكيله في تركيا قبل أيام لا يمثل جميع أطراف المعارضة، فإن الحقيقة ومن خلال قراءة في الأطياف المشكلة للمجلس الجديد، تشير وبما لا يدع مجالا للشك أن المجلس الجديد يضم أغلب الأطراف السياسية المعارضة في سوريا، وأيضا جاء بعد نحو عشرة أيام من جمعة «توحيد المعارضة» التي نادت من داخل أرض الشام لتوحيد أطياف المعارضة بعد عدة مؤتمرات متفرقة هنا وهناك فشلت في التعبير عن واقع الحراك الشعبي الكبير في سوريا. الأهم من نسب التمثيل في هذا المجلس الجديد، أنه حظي باعتراف الداخل السوري، وأقصد بذلك المتظاهرين الذين يقدمون أرواحهم كل يوم قربانا على باب حريتهم المنشودة، فلقد شهدت الأيام التي تلت الإعلان عن المجلس، مظاهرات مرحبة به، ومطالبة بأن يقوم بدوره لحمايتهم. الحراك الشعبي في سوريا اليوم هو الأساس وهو الفيصل في الحكم على الأشياء، فهذا الحراك هو الوحيد الذي يمتلك الشرعية، ولا شرعية لأي مجلس تمثيلي للمعارضة ما لم يستمد شرعيته من هؤلاء الذين يقارعون أسلحة جيش الأسد وشبيحة النظام. وإذا كانت عملية اتفاق أطياف المعارضة على تشكيل مجلس وطني قد استغرقت ستة أشهر من المشاورات والمباحثات والمؤتمرات، فإننا نتمنى ألا يكون التعامل مع الواقع السوري والدم السوري بذات الطريقة الماضية، فعلى المجلس أن يبدأ فورا بوضع آليات للتعامل مع الواقع السوري بما يضمن حماية أرواح المدنيين أولا ومن ثم العمل على استمرارية التظاهرات السلمية ومنع محاولات النظام لعسكرة الثورة الشعبية. وأيضا، فإن على أطياف المعارضة السورية أن تكون بحجم المهمة التي ألقيت على كاهلها، فهي اليوم ووفقا للمتظاهرين، ممثلهم الوحيد، وإذا كانت التظاهرات قد صمدت طويلا أمام آلة القمع والقتل فإنها قد لا تصمد إذا ما تعرضت لنكسة من قبل من اختارتهم لتمثيلها، مما يعني أن المهمة الملقاة على عاتق أطياف المعارضة السورية ستكون أكبر بكثير مما قد يعتقده البعض. الشارع الثائر في أرض الشام لن يرضى لممثليه أن يكونوا أدوات بيد هذا الطرف أو ذاك، ما يعني ضرورة أن يمتلك المجلس ناصية قراره السيادي بعيدا عن أي أجندات قد تلعب به، فالخطر كل الخطر من زرع بذور فتنة بين أطياف المعارضة السورية التي أعلنت تشكيل المجلس. كما أن على المجلس الجديد أن يبذل أقصى جهده من أجل أن يلم شعث باقي أطياف المعارضة مما يوفر له أرضية تمثيلية أكبر مما هو عليه الآن. وإذا كان الجميع داخل المجلس الوطني السوري الجديد متفقين على ضرورة عدم التدخل الاجنبي، فإن ذلك لا يعني عدم الاستعانة بالأطراف العربية والدولية من أجل حماية المدنيين وتوفير الغطاء الشرعي للمتظاهرين من أجل أن يواصلوا مسيرتهم لإسقاط النظام. نظام دمشق لن يسكت على هذه الخطوة المهمة التي أقدمت عليها المعارضة السورية، فالتسريبات تشير إلى أن النظام يسعى لتفتيت المجلس من الداخل من خلال بعض المحسوبين على المعارضة والذين هم أصلا بيادق بيد النظام السوري، ناهيك عن محاولة هذا النظام لحصار المجلس من خلال بعض الدول الداعمة له وعلى رأسهم روسيا والصين وإيران. كما قامت عناصر تابعة للنظام باختطاف إحدى قريبات المعارض السوري برهان غليون والذي اختير ليكون على رأس المجلس الجديد بالإضافة إلى ابنه مهاب وشقيقه محمد خير غليون، مما يعني أن عمليات الضغط على الشخصيات الفاعلة في هذا المجلس سوف تتصاعد من لدن النظام لإجبار البعض منهم على الانسحاب ليسجل نقطة لنفسه، ربما تضر بمسيرة المجلس، مما يتطلب المزيد من الحيطة والحذر. لقد تخطت الثورة السورية كل الحواجز ونجحت في إثبات وجودها بوجه آلة القمع الرهيبة التي تتعرض لها، كما أثبتت الثورة أن الشعب الذي خرج مطالبا بإسقاط النظام لن يعود عن مطلبه، ولكن هذه الثورة قد تصاب بنكسة كبيرة إذا ما تعثرت خطوات المجلس الجديد أو تعرض لأي مخطط تفتيتي. أما ما يطرحه البعض من أطياف المعارضة عن شكل النظام الجديد والدخول في تفصيلات عدة، فأقول إن على المعارضة أن تدرك جيدا أن تفاصيل الشيطان كبيرة وأكثر تعقيدا، وبالتالي فعلى الجميع أن يترك كل شيء لأوانه، فمازال الوقت مبكرا لاختيار شكل الحكم ونوعه وتفصيلات أخرى لا تغني وتسمن من جوع في هذا الوقت. على المجلس الجديد أن يحدد أهدافه المرحلية بحماية المدنيين وإسقاط النظام، وإذا ما تحقق ذلك فإن الشعب السوري الذي أظهر قدرا كبيرا من الوعي بوجه مخططات النظام، قادر على اختيار نظام الحكم الأنسب له.