الثلاثاء 16 ربيع الثاني / 01 ديسمبر 2020
 / 
06:42 ص بتوقيت الدوحة

لماذا نجحوا.. وفشلنا نحن؟!

أسامة عجاج
التشابه أكثر من أن يعد أو يحصى، بين التجربة المصرية والتونسية، ما قبل ثورة الياسمين؟ والتي كانت وفقا لكل التحليلات، الشرارة الأولي للربيع العربي، وبين ثورة 25 يناير في مصر، النظامان مبارك وبن علي، كانا الأكثر استبداداً، ولكن عبر قفزات حريرية، والتزام بشكل ديمقراطي، بعد إفراغه من مضمونه، هما معا قدما أنفسهما للغرب، على أنهما يقودان تجربة تطوير وإصلاح وتحديث للمجتمع في البلدين، كما أقنعا دوائر صناع القرار، بأنهما "رأس الحربة" في الحرب صد الإرهاب، وحائط صد لحماية أوروبا والعالم من تداعياته، كما شهد البلدان تجارب تنمية ومعدلات نمو عالية، ولكنها خادعة، بعد انتشار الفساد؟ ووصوله إلى معدلات غير مسبوقة، وسيطرة حفنة من رجال الأعمال المتحلقين حول الأسرة الحاكمة في مصر وتونس، لتمرير مصالحهم، وتوزيع الغنائم، دون إدراك حقيقي للمشاكل، التي تواجه الطبقات الوسطى والفقيرة من المجتمع، فزادت معدلات الفقر والبطالة، خاصة بين الشباب. فكانت الثورة. بن علي قرر الهرب بعد انهيار نظامه، وعدم قدرته على مواجهة التحديات، والمظاهرات والاحتجاجات، أما مبارك فاختار البقاء، ظنا من وجود حصانة معنوية، ستمنع محاسبته ومحاكمته، ولكن ضغط الجماهير غير من تلك المعادلة. واختلفت السبل في التعامل، مع مرحلة ما بعد نجاح الثورة، في الإطاحة بنظام بن علي ومبارك، ونجحت تونس في الحفاظ على المسار الديمقراطي، الذي تم التوافق بشأنه، حتى أصبحت الدولة النموذج، والتي تقدم للعالم تجربة ديمقراطية قوية ومتينة الأركان، وقدرة على التعامل مع الأزمات السياسية، التي مرت بها، وأصبحت الاستثناء بين الدول، التي عاشت الربيع العربي، سواء مصر أو اليمن أو حتى ليبيا، ناهيك عن سوريا، رغم تشابه أزمات المرحلة الانتقالية في كل الدول، ولكن المعالجة مختلفة، لدرجة أن تونس احتفلت منذ أيام، بإقرار الدستور الجديد، لها بعد ثلاث سنوات من الثورة، ونالت وزارة الكفاءات، ــالتي تم التوافق بشأنهاـــ على ثقة المجلس التأسيسي، الذي تم انتخابه لوضع مسودة الدستور الجديد، بينما مصر وخلال نفس الفترة، أقرت دستورين، وعددا من الإعلانات الدستورية، أصدرها المجلس العسكري، والرئيس محمد مرسي، والرئيس المؤقت عدلي منصور، دون أن يكون هناك توافق عام على أي منهم، والشواهد تؤكد أن تونس تسير في الطريق الصحيح، الذي تم الاتفاق عليه بين الطبقة السياسية، ومصر عادت إلى المربع رقم واحد، بعد ثلاث سنوات، كما لو كانت لم تعش ثورة، شهد لها الجميع. وقد فقدت مصر بعد كل ما حدث، أحد أدوارها التاريخية في المحيط العربي والإقليمي، والذي بدأ مع ثورة يوليو 1952، قدمت نفسها على أنها الدولة القائد لكل المنطقة، وكان لها دور فاعل وأساسي في تحرر كثير من الدول العربية والإفريقية من الاستعمار، واستطاعت قيادة المنطقة خلال مرحلة المد الثوري، في الخمسينات والستينات، وتحولت إلى الدولة النموذج في السبعينات والثمانيات، لدرجة أن كثيرا من الدول سارت على الطريق المصري، عندما قررت الرئاسة التخلي عن مفهوم الحزب الواحد، باتجاه التعددية الحزبية، ويصبح السؤال، لماذا أخفقت التجربة المصرية وفشلت؟ بينما كل المؤشرات، تؤكد نجاح التجربة التونسية، ولعلنا نتوقف عند بعض العوامل والأسباب. أولا: العجلة في جني الثمار، من شركاء الثورة في مصر. في مقابل الوعي بالأولويات في تونس. حيث قررت الطبقة الحاكمة في مصر، السير باتجاه إعلان دستوري، في الشهر الثاني من نجاح الثورة. كما لو كانت مصر من دون دساتير، رغم أن الكثير كان مع استمرار العمل، ولو إلى حين بدستور 1971 بشكل مؤقت، لحين صياغة دستور جديد يتم التوافق بشأنه، كما كان هناك استعجال لإجراء الانتخابات النيابية، بشقيها مجلس الشعب والشورى. وأعقبتها الانتخابات الرئاسية، والتي أفرزت جميعها فوزاً مهما لتيار الإسلام السياسي، دون إدراك بأن مصر، قد لا تكون مستعدة -ولو إلى حين- للقبول بتلك النتائج، حتى لو جاءت عبر صناديق الانتخابات، كما لم يتم حساب قوة الدولة العميقة، في مصر بشكل صحيح، والتي دافعت عن مصالح مستقرة، منذ سنوات طويلة. وسعت إلى إجهاض التجربة برمتها، أما في تونس، فإن الانتخابات الوحيدة التي تمت، كانت للمجلس التأسيسي المكلف بكتابة الدستور، وحصلت فيه حركة النهضة، ذات التوجه الإسلامي على الأكثرية، بـ90 مقعدا، بينما الانتخابات الرئاسية والبرلمانية مقرر لها الأشهر القادمة. ثانيا: المشاركة لا المغالبة، كان هناك حرص منذ البداية في تونس، على عدم إقصاء أي من التيارات السياسية، عن ممارسة دورها سواء في الحكم أو المعارضة. فقد سارت الأمور في تونس خلال المرحلة الماضية، وفقا "لترويكا" حاكمة، رئاسة مجلس الوزراء، من نصيب حركة النهضة، وقد تخلت عن تلك الرئاسة في الحكومة الأخيرة، وهي من الكفاءات المستقلين، برئاسة مهدي جمعة تضحية منها وتنازلا، كحل للأزمة السياسية المحتدمة بين الحكومة والمعارضة منذ عدة أشهر. بينما تولى الرئاسة الدكتور المنصف المرزوقي، من حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، أما رئاسة المجلس التأسيسي، فكان من نصيب مصطفى بن جعفر، الشريك الثالث في الحكم، وهو حزب التكتل الديمقراطي، ويبدو أن سنوات المنفى ووحدة معارضة بن علي من عواصم أوروبية خلقت حالة من قبول الآخر لدى الجميع من التيار الديني، خاصة النهضة واليسار والقوميين، وجعل هناك قواسم مشتركة بين الجميع ساهمت في استمرار الترويكا الحاكمة رغم اختلافها الأيدلوجية والفكرية، والحفاظ عليها، وحدد دور المعارضة في النضال للتغيير عبر الشارع وبين الجماهير. ثالثا: وجود رغبة في الالتزام بشرعية التوافق بعد الاعتراف بحكم الصندوق، صحيح أن تونس شهدت النموذج المصري في المعارضة، وتم تشكيل جبهة إنقاذ، كما هو الحال في مصر، وحركة تمرد، بل إن البعض من أعضاء المجلس التأسيسي علقوا مشاركتهم في أعماله بعد اغتيال أحد قادة اليسار وهو محمد الإبراهيمي، ولكن الجميع أعلى صوت العقل عندما احتدمت الأزمة السياسية، وهددت مجمل الفترة الانتقالية، وتدخلت قوى المجتمع المدني بين طرفي الأزمة، لمحاولة إيجاد سبل للحل، وهي الاتحاد العام للشغل، والاتحاد العام للصناعة والتجارة، والرابطة التونسية لحقوق الإنسان، ونقابة المحامين، رغم سيطرة التيار اليساري على عضويتها، وقدمت الجهات الأربع "خريطة طريق" للحل، لاقت قبولا وموافقة من الحكومة والمعارضة، وأبدت حركة النهضة مرونة وواقعية في التعامل، وقبلت بتشكيل حكومة مستقلة، بعد تخليها عن رئاسة الوزارة، بينما في مصر أبدت المعارضة، خاصة جبهة الإنقاذ تشددا غير مقبول، ورغبة في التأزيم، وفرض الشروط المسبقة ورفض الدخول في أي حوار دعا إليه الرئيس محمد مرسي أو حزب الحرية والعدالة. رابعا: هناك تباين شديد في دور المؤسسة العسكرية في مصر وتونس، وقد انحازت الأخيرة إلى مطالب الشعب في ثورة الياسمين، ورفضت التصدي للجماهير، بل كانت قوة ضغط على بن علي، دفعته إلى الهروب من تونس، وعادت إلى ثكناتها، باعتبارها مؤسسة وطنية محترفة، لا شأن لها بالعمل السياسي، ولا الخلافات بين الأحزاب والتيارات السياسية على عكس المؤسسة العسكرية المصرية التي تصدرت المشهد السياسي بعد الثورة، وظلت رقما صعبا في زمن الرئيس المدني المنتخب محمد مرسي، فعرضت الوساطة حينا، عندما احتدمت الخلافات، ولكنها في نهاية الأمر تدخلت بشكل سافر في أحداث 30 يونيو، مما أعاد الأمور إلى المربع الأول.

اقرأ ايضا

بشرة خير

11 مايو 2013

قمة المصارحة!

13 ديسمبر 2014

شفيق يا راجل..!

25 يونيو 2015

أنسنة العالم

02 أبريل 2020