الأربعاء 17 ربيع الثاني / 02 ديسمبر 2020
 / 
09:44 ص بتوقيت الدوحة

ولن يرضى عنكم لافروف.. وروسيا وقعت في فخ حلب

د. أحمد موفق زيدان
كل المؤشرات تشير إلى أن بعض الثوار بدأ منذ وقت ليس قصيراً بالتحضير لمرحلة ما بعد سقوط حلب، حين بدأ بالاستعداد لحرب عصابات طويلة الأمد، وقد بدأ ذلك تحديداً منذ الغزو الروسي للشام في سبتمبر من العام الماضي، حين أدركت هذه الفصائل أن الحرب قد تطول وأن فترة الاحتلال في الغالب تتراوح بين 8-12 سنة، ومع الجهد الأكبر الذي وضعته روسيا بالتنسيق مع الحثالات الطائفية الأجنبية بقيادة إيران في حلب فإن روسيا سعت في وسط معركة المدينة إلى البحث عن حل سياسي قبل أن تقع الفأس بالرأس، فحذرها بشكل مباشر الوسيط الدولي ستيفان ديميستورا من ورطة أفغانستان...
إن كان العقل الأميركي مسكونا بالمرض الفيتنامي، فإن العقل الروسي على الأقل الباطن منه مسكون بالمرض الأفغاني، ولذا فهي تسعى إلى التحلل منه، فتظن روسيا أنها بغزوها للشام، ستتحلل من هذا المرض، لكن الواقع والتاريخ يصرخان بضد ذلك..
فاحتلال روسيا لمدنية حلب مع طرد أهلها الأصليين وجلب كل الحثالات الطائفية المجرمة من أفغانية وباكستانية ولبنانية وعراقية وإيرانية، يساعدها في ذلك تبدل الأولويات التركية على ما يبدو، إذ بدا أن تركيا تتخلى شيئاً فشيئاً عن المظلة الأميركية والأطلسية التي احتمت بها لعقود لتلجأ إلى المظلة الروسية، والتي سمحت لها بمقاتلة غلاة الأكراد في الشمال السوري مع منطقة محددة جغرافياً ولكن حين أرادت تركيا التوسع إلى الباب وهدد رئيسها رجب طيب أردوغان بأن قواته في سوريا من أجل خلع رئيس العصابة الطائفية بشار الأسد سارعت موسكو إلى طلب توضيح منه على هذه التصريحات فصححها بقوله إن قواته من أجل مقاتلة الإرهابيين وفقط.. لكن من يقرأ التاريخ والواقع يجزم أن هذا ليس هو سيرورة الأحداث وأن الثورات التي تعرضت في مجملها لانتكاسات لا يمكن لها إلا أن تصل إلى نتيجتها المنطقية وتكنس كل من وقف بصفها، ولعل هذا ما يؤكده تقرير الأمم المتحدة الذي توقع ثورة جديدة للربيع العربي..
لافروف التقط رأس الخيط الذي سلمه إياه الوسيط الدولي ديميستورا حين دعا إلى خروج مقاتلي فتح الشام من حلب مقابل وقف التدمير الروسي للمدينة، فكرر دعوة ديميستورا، وكأن الأخير يعمل موظفاً في الخارجية الروسية، ولكن سريعاً ما انقلب لافروف على طلبه هذا برفع السقف فطالب بخروج كل المسلحين من المدينة وهو الأمر الذي رفضته الفصائل جميعاً، لكن هذا التطور الخطير سيعني بالتأكيد حرباً مدمرة وطويلة الأمد في مدينة حلب، وهو ما يعني عملياً تحول الحرب إلى حرب عصابات طويلة الأمد ضد القوات الروسية المحتلة وهو ما تخشاه روسيا كونها ستكون أكثر الدول مرشحة لتصنيفها كقوة احتلال ما دام الغزو الإيراني يتلطى وراء مليشيات طائفية ووراء المحتل الروسي الذي يتصدر الدفاع عن الطائفيين في المحافل الدولية وتحديداً في مجلس الأمن الدولي...
تحول الجماعات الجهادية إلى حرب عصابات سيعني بالضرورة تراجع قبضة الداعم التركي وغير التركي على هذه الجماعات والتي سيكون لها استقلالية أكبر في قرارها العسكري والسياسي وهو ما قد يطرح ديناميكية جديدة للصراع في سوريا لم تتوقعه القوى الدولية والمحلية..
الظاهر أن روسيا لم تعتبر حتى الآن من الدرس الأفغاني لها وللأميركيين، ولم تعتبر من الدرس العراقي للأميركيين أيضاً وظنت أن الدرس الغروزني هو الذي يمكن استنساخه في سوريا، وجهلت أو تجاهلت أن سوريا ليست غروزني والدليل على ذلك هو انتفاضة الشعب السوري من أقصى الشمال إلى الجنوب ومن الغرب إلى الشرق والدليل على ذلك أن سوريا ليست حلب هو سيطرة شاسعة للمجاهدين والثوار في الجنوب السوري والشمال وإدلب وحمص وحماة وغيرها من المناطق الشاسعة، كما أن الدرس الأفغاني بالنسبة للقوات الأميركية كان واضحاً فحين سيطرت واشنطن على كابول عام 2001 وخالت أنها أنهت الحرب كانت النتيجة حرب عصابات كلفتها الآلاف من القتلى وعشرات المليارات من الدولارات ولا تزال، وهو ما تكرر تماماً عام 2003 يوم أسقطت صدام حسين ولا تزال تداعيات ومفاعيل الحربين متواصلة، والشام لن تكون إلا كابوساً حقيقياً للروس وغيرهم والأيام بيننا...