الثلاثاء 18 رجب / 02 مارس 2021
 / 
02:34 م بتوقيت الدوحة

ماذا يعني اتخاذ الهجرة النبوية تاريخاً للأمة؟

د. محمد عياش الكبيسي
أمس كان اليوم الأول للسنة الهجرية، وهو ليس اليوم الأول من الهجرة النبوية، كما يتوهم البعض، حيث لم تكن الهجرة في هذا الشهر أصلا، والأرجح أنها في ربيع الأول، والصحابة رضي الله عنهم اتخذوا السنة التي وقعت فيها الهجرة بداية للتاريخ لا شهرها ولا يومها، وكأنهم أرادوا الحفاظ على تسلسل الشهور العربية، كما كان على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهذه التفاتة جديرة بالملاحظة وفيها أكثر من مغزى. لقد كان اختيار الهجرة النبوية تاريخاً وحيداً للأمة يحمل دلالات الاعتزاز بالهوية ويرسخ الانتماء لهذه الأمة دينا وثقافة وتاريخا، وكان بإمكانهم إبقاء ما كان على ما كان أو استيراد التواريخ الجاهزة والمعمول بها في فارس أو الروم أو الحبشة، لكنهم كانوا يعلمون أن الأمة ستفقد جزءا من هويتها واستقلاليتها إذا جنحت للتقليد ولو في المسائل التي تبدو وكأنها بعيدة عن صلب العقيدة أو المنظومة القيمية للمجتمع، وقد ظهر هنا التفريق الواعي بين الاستفادة من علوم الآخرين وتجاربهم ومنتوجاتهم الزراعية والصناعية والطبية وبين التقليد الأعمى الذي يهدد الهوية والسيادة والوحدة الثقافية للأمة، فقد كان الصحابة لا يترددون في الاستعانة بخبرات الآخرين والتعاون معهم في المشتركات الحياتية المختلفة، لكنهم يتشددون جدا في كل ما يتصل بهوية الأمة واستقلاليتها، وهذه واحدة من معضلات العصر حيث لم يعد الكثير من شبابنا يفرقون بين دراسة الطب والتكنولوجيا من جهة وبين تقليدهم الأعمى في اللغة والتاريخ، وحتى موضات الأزياء وقصات الشعر! وهو ما يعبر عن شعور عميق بالنقص واعتراف خطير بالهزيمة. والسؤال هنا لماذا الهجرة وليس المولد النبوي أو البعثة المشرفة أو المعارك الكبرى التي خاضها المسلمون على هذه الأرض؟ من الواضح هنا أن الصحابة رضي الله عنهم قد استبعدوا الأحداث القدرية البحتة، والتي لم يكن للأمة دور في صناعتها كالمولد والبعثة، وكأنهم يريدون أن يقولوا: إن تاريخ الأمة هو ذلك المنبثق من حركتها وجهادها، كما أنهم استبعدوا ما يوحي بالفخر والغلبة كبدر والأحزاب على أهميتهما في تلك المرحلة الحرجة من التاريخ لأن الصراع مهما كانت مشروعيته ومبرراته لم يكن هو أساس المشروع الإسلامي، بل كان حالة استثنائية أملتها مواقف الآخرين، أما الأصل في المشروع الإسلامي فكان تحقيق الرحمة الشاملة لكل العالمين (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ). ولو كان الصحابة يفكرون بالدوافع النفسية البشرية لاختاروا معركة بدر وهي الفرقان بحسب التعبير القرآني، ولابتعدوا كليا عن التفكير بيوم الهجرة فهو لا شك كان يوما قاسيا على نفوسهم كيف وهم قد خرجوا فيه من مكة مطاردين ومكرهين غير مختارين، وقد كانوا بعد هذا بحاجة إلى يوم يردون في الاعتبار لأنفسهم، لكن هناك فرق بين ثقافة الثأر وثقافة البناء، وهناك فرق أيضا بين العمل للأنا وبين العمل للأمة، من هنا كان اختيار الهجرة لأنها كانت نقطة التحول الفاصلة لبناء هذا المشروع الحضاري والمدني الكبير، وهم بهذا الاختيار قد أكدوا ما وصفهم الله به (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)، فقد ذابت حاجتهم للثأر والانتصار ورد الاعتبار في حاجة الأمة للتعبير عن مشروعها الإنساني والحضاري. لقد استوعبت الأمة هذه الرسالة وراحت تربط كل حركاتها وسكناتها بهذا التاريخ، فما من دولة تقام أو مدينة تبنى أو عالم يتوفى أو حدث يمر إلا ويقيد بهذا التاريخ في طول أمتنا وعرضها، وهو ما يمثل وحدة منهجية في التوثيق والتدوين تساعد في توحيد القراءة التاريخية وربط الأحداث وتحليلها وفق تحقيب زمني واحد يبدأ بعصر الرسالة ثم الراشدين ثم الأمويين ثم العباسيين ثم العثمانيين، وهذا التحقيب ليس مسألة شكلية، بل له دلالاته البعيدة وعلى أكثر من مستوى. اليوم اختلفت الصورة وصارت الأمة تستورد كل شيء، العلم والقانون والفن والمبادئ والقيم وحتى الوجبات السريعة والمشروبات الغازية، وكان من ضمن ما استوردناه التقويم بحسب التاريخ الميلادي، ولا شك أن هذا ترسيخا لنهج التبعية وانتقاص الذات والعزوف عن أي معنى من معاني التميز أو التمايز. إن اعتماد التاريخ الميلادي بديلا عن التاريخ الهجري يجعل يوم تأسيس الأمة وانطلاق مشروعها الكبير لا يعدو أن يكون يوما ضائعا في أيام القرن السابع الميلادي! وليس هناك طريقة من الممكن أن تنتقص بها الأمة من ذاتها، وهيبتها أجدى وأفضل من هذه الطريقة! إن المؤرخين والباحثين المختصين يعانون اليوم من انقطاع حضاري وارتباك في قراءة الأحداث وتسلسلها وترابطها، فخلال ثلاثة عشر قرنا كان التدوين متسلسلا ومترابطا بمنهجية معينة، بيد أن هذا الترابط قد انقطع في القرن الرابع عشر، وقد تزامن مع هذا خلل كبير في قراءة البناء العلمي والثقافي لهذه الأمة، فعلم الطب مثلا ينظر إليه الآن كعلم أوروبي غربي من ألفه إلى يائه، وهذا خلاف الحقيقة فعلم الطب لم ينشأ في الغرب، ومحاضن الطب الأولى كانت في بغداد والقاهرة وغرناطة، وقد استفاد الغربيون من هذه المدارس ثم انطلقوا بعد ثورتهم الشاملة في تطوير هذا العلم بطريقة تراكمية رائعة، لكن الذي لم يكن رائعا هو قطع هذا التسلسل الزمني والتنكر لمعلميهم الأوائل، وأما أطباؤنا اليوم فقد أصبحوا تبعا للمنتج الغربي وطريقته في قراءة العلوم وتاريخها، وهكذا قل في أغلب التخصصات العلمية. وفي مقابل هذه الإشكاليات الكبيرة هناك إشكالية فنية أو إدارية قد يتمسك بها الرافضون للتقويم الهجري وهي صعوبة الالتزام عمليا بالتقويم الهجري وضبط الجداول والمواقيت المسبقة لنظام الدولة والمؤسسات وأنظمة الحياة العامة نظرا لارتباط التقويم برؤية الهلال، وهو حدث آني يصعب تحديده والاتفاق عليه مسبقا، والجاليات الإسلامية تعاني من هذا عند مطالبتها بإجازة العيد مثلا لأن المؤسسات لا يمكن أن توفر الموظف البديل بعد مغيب الشمس، وهذه وإن كانت إشكالية صغيرة لكنها مجرد عينة من إشكالية أكبر في حالة اعتماد التقويم الهجري على نطاق واسع أو شامل. والحقيقة أن دقة التقويم الهجري (القمري) لا تختلف عن التقويم الميلادي (الشمسي) من الناحية العلمية فحركة الفلك واحدة، ومن المقطوع به اليوم أن العلم قادر على وضع تقويم قمري لمئة سنة قادمة، وبدقة تصل إلى %100 دون خلاف يذكر، وهو ما تعتمده تركيا اليوم في تقويمها الإسلامي، أما موضوع الرؤية فهو موضوع فقهي خارج نطاق علم الفلك، وما زال الكثير من الفقهاء يتمسك به لارتباطه ببعض المسائل التعبدية البحتة كالصوم والحج أما الصلاة فهي تخضع للحساب الشمسي بالكامل، وهذه الإشكالية مؤثرة لا شك، والفقهاء مدعوون اليوم لردم الفجوة بين الفقه والعلم في هذه المسألة مع اعتقادي أن فترة التردد هذه لن تطول، شأنها شأن الكثير من المسائل التي تردد فيها الفقهاء كثيرا بدافع الورع والحفاظ على الموروث الفقهي ثم ما لبثوا أن غيروا مواقفهم واجتهاداتهم بما يحقق المصلحة العامة، وإلى أن يحصل هذا فبالإمكان الاتفاق على الحساب الفلكي في التقويم العام للدولة ومؤسساتها ووضع آلية محددة للتعامل مع توقيتات الصوم والحج، والتجربة السعودية اليوم هي الأقرب إلى هذا التوجه وهي تجربة جديرة بالدراسة وقابلة للتطوير.