الجمعة 13 ربيع الأول / 30 أكتوبر 2020
 / 
02:41 ص بتوقيت الدوحة

بجوار بيتنا مدرسة

سحر ناصر
بجوار بيتنا مدرسة، جرسها مزعج، يقرع بقوّة إيذاناً ببدء يوم جديد.. النغمة نفسها التي تعيدك أعواماً إلى الوراء؛ لكنه توقّف عن الرنّ. سبب توقّف الجرس هذا العام لم يكن لانتهاء العام الأكاديمي كالعادة، وإنما بسبب «كوفيد - 19» الذي فرض إغلاق الفصول الدراسية حفاظاً على السلامة العامة. وبعد أن كانت هذه المدرسة تضجّ بالحركة والحياة، أصبحت هادئة، إلى حدّ التأمل بما وصلنا إليه، ما كنّا فيه، وما نحن مقبلون عليه.
ببساطة، لم أكن أحبّ فكرة المدرسة، وبالتالي كنتُ لا أستسيغ مشهد الأطفال وهم يحملون على ظهورهم حقائب ثقيلة كالسنوات التي تنتظرهم في مراحل تعليمية متتالية، تنهش عمر الإنسان وسنواته، ليصل إلى نقطة يبدأ فيها مشوار البحث عن وظيفة مملّة، وفي أفضل الأحوال مملّة مع راتب جيّد.
وكنتُ أثناء استعدادي للذهاب إلى العمل، أطلّ على تلك المدرسة من نافذتي صباحاً، وأسأل نفسي: لماذا نجبر هؤلاء الأطفال على الاستيقاظ في الصباح الباكر، ومن ثَمّ نضعهم في بوتقة واحدة، نكرّر على مسامعهم يومياً -ولمدة ثماني ساعات- المواد نفسها؛ من رياضيات وعلوم وتربية ولغات، لن يذكروا منها إلا القليل فيما بعد؟! وكنتُ أيضاً أشكّك في مستقبل هؤلاء الأطفال، متسائلة: ما الذي سيكون بمقدور هؤلاء الطلاب أن يفعلوا حيال حياتهم؟ ما الذي سيتغيّر في هذا العالم بين مرحلة كنّا فيها بمكانهم، وهم سيصبحون في مكاننا، وهكذا دواليك؟ ما الذي سيضيفه هؤلاء إلى العالم؟ في أحسن حال سيكون هناك منهم المهندس والطبيب والباحث والممرض والصحافي والمحامي.. وماذا بعد؟
لم أجد إجابة حينها تُقنعني، وربّما ما كان يُلهيني عن تلك التساؤلات هو رائحة العطر الصباحي الفرنسي المفضّل لديّ من «كارتييه - قُبلة مسروقة»، وفنجان ساخن جداً من القهوة، وتمرة، وأغنية لفيروز، يتبعها استخدام طريق بديل خلف المدرسة، كي لا أقع فريسة لزحمة السير، أو أكون مصدر قلق لأهل يهرولون في سباق مع الجرس والزمن.
حالياً، يغيب مشهد زحمة السير والآباء والأمهات والأطفال الطلاب والمعلّمة عن ناظري منذ نحو 80 يوماً، لم أعد ألمح ذلك الطفل الذي يُسارع الخطوة للقاء معلّمته ذات الفستان الأصفر، ولا تلك الطفلة الشقراء التي تتغنّى بضفائرها، ورجل الأمن التابع للمدرسة -الذي كنتُ أحاول تخطيه- كي لا «يأمرنا» بالانتظار لمرور الطلاب وأهلهم وأسرتهم وحقائبهم... وإلخ.
اليوم.. أدركتُ أننا كنّا نأخذ الكثير من النِّعم وكأنها حقٌّ لنا، لم أكن أتساءل كم من هؤلاء الأطفال سيتمكّن من إنقاذ الناس، وكم منهم سيكبر ليكون سنداً لأم وأب، أو ربما أخاً حنوناً، أو زوجة قوية وشريكة في مشقّات الحياة.. كنتُ أرى هؤلاء الأطفال كموظفين، ولم أكن أنظر إليهم بعين الإنسان. ربّما لأنني كنتُ أرى نفسي حينها كموظفة فقط، مبرمجة، أنهض لأذهب إلى الدوام، وأنام لأصحو على الروتين.
80 يوماً وأصبحت نافذتي ترسم لي مشهداً جديداً، مشهد لا أرى فيه مبنى تقليدياً، بل موطناً لصنع الذكريات في حلوها ومُرّها، وباحةً لكسب الأصدقاء، ووجهةً للمعرفة لا لحفظ الدروس على مبدأ الثواب والعقاب.
التأمل في الحياة نعمة، ومن يسأل نفسه عن قيمة الإنسان سيجدها حتماً بجوار بيته.. هنا تحديداً في مدرسة الحياة.

اقرأ ايضا

قطر.. اللهم لا حسد!

27 يونيو 2013

حب اللغة العربية

25 فبراير 2016

«الشباب.. ثروة وثورة»

09 أغسطس 2018

«ما بفهم عربي»

26 سبتمبر 2019

قطر و«التنين»

06 نوفمبر 2014