الأحد 6 رمضان / 18 أبريل 2021
 / 
05:30 ص بتوقيت الدوحة

تهافت العولمة

د. محمد عياش الكبيسي
يقصد بالعولمة تحوّل المجتمعات البشرية إلى (عالم واحد) متشابه في الأعراف والسلوكيات ومتواصل في المعلومات والأخبار، سواء كان ذلك بفعل فاعل أو نتيجة طبيعية لتطور الإنسان وتمكنه من صناعة الأدوات اللازمة للتقارب والتواصل. رغبة الإنسان في تحقيق هذا الحلم ليست جديدة، بيد أنها في الغالب كانت تترجم بطريقة توسّعية تحاول فيها قوة صاعدة (عادلة أو ظالمة) لضم العالم تحت خيمتها، كما في قصة الاسكندر المقدوني أو ذي القرنين، وكذلك هارون الرشيد الذي كان يخاطب السحابة: (امطري حيث شئت فسيأتيني خراجك)، ثم جاء جنكيزخان من أقاصي الشرق ليبسط نفوذه على أغلب المعمورة، وهكذا حتى بريطانيا العظمى (التي لا تغيب عنها الشمس). على مستوى الأفكار والمعتقدات، كان الإسلام أول من دعا لكسر الحواجز القومية والقبلية والطبقية ليعيش العالم تحت عنوان ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) و (كلكم لآدم وآدم من تراب)، وانتقد بشدّة مقولات التمييز العنصري على أساس (الدماء النقية) أو (شعب الله المختار). (الشيوعية) كانت حلما متطرفا باتجاه العولمة حيث قضت بإزالة جميع الحواجز حتى تلك الأعراف والقوانين المتعلقة بحفظ (الملكية الفردية) أو تنظيم (الأسرة) والعلاقات الزوجية، وكانت تبشّر بعالم بلا حدود ولا حكومات! وأما الحكومة الشيوعية فهي مؤتمنة لتوصيل البشر إلى هذا المستوى ثم تقوم بحل نفسها! إن كل تلك الدعوات والمشاريع والأفكار الصالحة منها والطالحة لم تتمكن من الوصول إلى العولمة، فلا زال الناس يختلفون ويتصارعون ويتقاتلون، وكلما ظهرت امبراطورية وظنّت أنها أوشكت على صناعة العالم الواحد وفق مقاييسها تأتي الرياح بما لا تشتهيه سفنها فتتحول إلى رقم من الأرقام أو صفحة من صفحات التاريخ. الأميركيون اليوم تمكنوا من القفز على مقعد الصدارة في هذا العالم وتمكنوا من أسباب التسلط والهيمنة، وهم يتحركون برؤية كونية وثقافة عالمية لها كل مبررات الانتشار والقبول، فالديمقراطية يمكن تسويقها للعالم كفكرة إنسانية عامة لا تنتمي لجنس أو لون أو طبقة، ولا تشعر الشعوب الأخرى بالحرج حينما يتبنونها ثقافة أو سياسة، وهم أي الأميركيين وفق كل هذا من حقهم أن يحلموا بعصر العولمة المصبوغ برؤيتهم وثقافتهم، خاصة بعد النجاحات العلمية الباهرة في مجال المواصلات والاتصالات والفضائيات التي اختصرت المسافات وألغت الزمن، فالمسافر الذي كان يقطع المسافة بشهور صار يقطعها بساعات، والرسالة التي ينقلها البريد بأيام أو أسابيع صارت تصل بضغطة واحدة، وربما تشترك بندوة علمية ساخنة وأنت في بيتك والآخرون موزعون في أكثر من بلد. إن هذا كله ولّد شعورا إنسانيا عاما أننا بالفعل قد دخلنا في عصر العولمة، عند المتفائلين والمتشائمين وعند من يبشّر بها أو يحذّر منها، أما الأميركيون فلا شك أنهم يعدّون أنفسهم صنّاع هذه العولمة وقادتها والمتربعون على عرشها. والحق أن كل المعطيات تؤكد أن الإنسان في هذا العصر قد ملك بالفعل كل الأدوات اللازمة لصناعة العولمة، لكن كل المؤشرات تؤكد أيضا أن الإنسان ليس مؤهلا بذاته وتكوينه لصناعة العولمة وأنه سيضيع هذه الفرصة ولن يتمكن من استخدام تلك الأدوات حتى لو كانت بقبضته أو تحت يده. إن رغبة الإنسان في صناعة العولمة ليست صادقة، ذلك لأنها تتقاطع مع الكثير من أولوياته ومصالحه، فالغني لا يريد أن يمحو التمايز الطبقي، والدول المتقدمة لا تريد أن تتساوى مع الدول النامية، والطرف المنتج لا يريد للطرف المستهلك أن يتعلم الإنتاج، هذا بالإضافة إلى الخصوصيات الثقافية والمجتمعية التي لا يسهل التنازل عنها أو التهاون فيها. نعم لقد كان طريق الحج من بغداد إلى مكة يأخذ شهرا أو يزيد، واليوم تقطعه الطائرة بثلاث ساعات أو أقل، بيد أن الأمر ليس كذلك، ففي السابق أنت لا تحتاج سوى أن تركب دابتك وتوجهها حيث تريد، أما اليوم فقد تستغرق تأشيرة السفر شهرا أو شهورا وربما لن تحصل عليها أصلا. إن جواز السفر لوحده كاف بتعويق مشروع العولمة من أساسه، ليس في باب التنقل واجتياز الحدود والمطارات بل حتى في التواصل الاجتماعي والعلاقات الإنسانية المختلفة، وهو اليوم أقوى لدى الكثير من شعوب العالم من كل المشتركات الحياتية والثقافية وحتى الدينية، وليس هذا من باب التمايز العنصري فحسب، بل هناك نوع من التبعية للدول المهيمنة، فالجواز الغربي محترم حتى عند غير الغربيين، وربما يكون الجواز العربي ممتهنا عند العرب أنفسهم! أذكر بهذا الصدد رجلا متزوجا من قريبته وله أولاد منها، وهو يحمل الجواز الأميركي وكذلك أولاده بينما تحمل زوجته جوازا عربيا، اضطر الآن لترك عمله والعودة إلى أميركا لثلاث سنوات حتى تحصل زوجته على الجواز لشدة ما يلقاه من العنت والمشقة في المطارات العربية بسبب جوازها، علما أنه من النوع الذي يحرّم الإقامة في (بلاد الكفر) حفاظا على دينه وعلى دين أولاده، وهذه لم تعد حالة نادرة بل هي ظاهرة تستنزف اليوم الكثير من الطاقات والكفاءات. من مظاهر العولمة الحالية وأدلتها الجليّة انسيابية تنقل البضائع والمنتجات المختلفة، حتى أنك تدخل السوق فتجد العالم كله بين يديك بمأكولاته وملبوساته ومركوباته وكل ما يخطر على بالك، نعم هذا صحيح لكن أين (عولمة البضائع) من (عولمة الأيدي العاملة)؟ إن الغرب لديه فائض في منتجاته الصناعية وهو يسوقها لنا بكل الوسائل، ونحن لدينا فائض في الأيدي العاملة كما في مصر والسودان والمغرب العربي، فهل يسمح الغرب بتنقل الأيدي العاملة كما نسمح نحن بتنقل البضائع؟ إن (عولمة البضائع) ليست مؤشرا على وجود العولمة الإنسانية بقدر ما هي مؤشر على وجود هيمنة اقتصادية للدول الصناعية الكبرى، بينما كانت البشرية تسمح بتنقل الإنسان طلبا للرزق والعمل بلا حدود لكنها تجد مشكلة في نقل البضائع خاصة تلك المعرضة للتلف. أما الكلام عن (العولمة السياسية) ووجود المؤسسات العالمية الحاكمة كالأمم المتحدة ومجلس الأمن والمحكمة الدولية، ففي كل يوم تثبت هذه المؤسسات أنها وجدت لخدمة القوى الكبرى وليس لإنصاف الضعيف والمظلوم، بمعنى أنها أصبحت أدوات للتمايز والتنابز والأنانية المفرطة لصالح طرف دون طرف. وبالعود على (قادة العولمة الحديثة) فإننا نراهم يتباهون بالعولمة ويقاتلون من أجل نشر قيمها (الديمقراطية) ثم يعودون لهدمها حجرا حجرا بعد أن تتصادم مع مصالحهم الخاصة، وأقرب مثال على ذلك تشجيعهم للطائفية وإعطاؤهم الضوء الأخضر لتشكيل المليشيات المختلفة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وهم لا يتورعون عن امتهان كرامة الإنسان وعلى أساس واضح من التمييز العرقي أو الديني أو الطبقي، ويضعون الحواجز السميكة بين الإنسان وأخيه الإنسان بما لا يختلف عن أشد محطات التاريخ تعصبا وتخلفا. إن العولمة التي نتحدث عنها تخص عالم الإنسان وليس عالم الحديد والتكنولوجيا، وإذا تمكن الإنسان من أن يركب الحديد ليطير به إلى القمر فهذا لا يعني أنه قد تمكن من صناعة العالم الواحد إذا كان يستخدم هذا الحديد أيضا في إقامة الحدود والحواجز بينه وبين جيرانه، إن وصول الإنسان إلى أخيه الإنسان أولى وأنفع بكثير من وصوله إلى القمر، وتلك هي العولمة التي لم نصل إليها بعد.