الإثنين 12 جمادى الآخرة / 25 يناير 2021
 / 
11:25 م بتوقيت الدوحة

أزمة الهوية الأميركية!

أحمد حسن الشرقاوي
قد يبدو أمرا ساذجا القول إن التفاعلات المثيرة التي تحدث هذه الأيام في الولايات المتحدة، بدأت مع تولي الرئيس الجديد دونالد ترمب، لأن الحقيقة أن تلك التفاعلات تموج في أحشاء المجتمع الأميركي منذ عقود بعيدة.
ترمب هو قمة جبل الجليد الذي طفا على سطح المجتمع الأميركي، وبالطبع قاعدة الجبل موجودة تحت الماء ولا يمكن رؤيتها بالعين المجردة. ولعل نظرة متأنية لتاريخ «العنصرية الثقافية» في المجتمع الأميركي يمكن أن توفر لنا قدرا من رؤية، أو حتى تخيل هذا الحجم الهائل من المشاعر العنصرية المتغلغلة في المجتمع الأميركي منذ عشرات السنين.
الولايات المتحدة الأميركية قامت أساسا على هجرات مكثفة من البيض الأوروبيين، خاصة من أيرلندا، فترة المجاعة الكبرى في القرن السابع عشر، وأصبح البيض يمثلون الأغلبية بعد أن توسعت الهجرات نحو الغرب الأميركي، وتمت إبادة سكان البلاد الأصليين (يقدر عددهم بنحو 40 مليون شخص، لم يتبق منهم سوى بضعة آلاف حاليا!).
ثم توالت عمليات جلب العبيد من القارة الإفريقية بالأساس، ومن بعض جزر الكاريبي لخدمة (السادة) البيض، والعمل في مزارعهم، وظل الحال لمدة قرنين ونيف من الزمان حتى حدثت الحرب الأهلية الأميركية (1861- 1865)، ليتمكن بعدها السود من وضع حد مؤقت للعنصرية التي يتعرضون لها، واستلزم الأمر قرنا جديدا حتى يظهر مارتن لوثر كينج في ستينيات القرن العشرين ليقود حركة الحقوق المدنية، وينتزع حقوقا جديدة للسود في مجتمع تتغلغل فيه العنصرية.
هذا المجتمع الذي قدم نظامه السياسي والاقتصادي والاجتماعي على أنه أفضل ما وصلت إليه البشرية، في التعايش المشترك، خاصة بعد انهيار الشيوعية أواخر ثمانينيات القرن العشرين، شعر بهزة شديدة عقب فوز باراك أوباما، وهو أول زنجي يصل إلى سدة الرئاسة، بل يتم التجديد له في المنصب لفترة رئاسية جديدة. كانت الكتلة (العنصرية) الصلبة في المجتمع الأميركي لا تشعر بالارتياح إزاء هذا التطور، لكنها لم يكن بمقدورها فعل شيء تجاهه.
لكن ما علاقة ذلك بالإسلام والمسلمين في أميركا؟!
يبلغ عدد المسلمين الأميركيين نحو 3 ملايين شخص، يمثلون أقل من 2 بالمائة من إجمالي عدد الأميركيين، وهم ليسوا من عرقية واحدة، أي أن منهم ذوي الأصول الإفريقية والعربية والآسيوية، ومنهم البيض من العرق القوقازي وغيرهم الكثير من الأعراق.
لكن المشترك هو «الفزع المعنوي» من جانب البيض تجاه الأفارقة والمسلمين ومجموعات الأقلية الأخرى، مثل اللاتينيين، خاصة بعد ظهور دراسات تؤكد أن غالبية الأميركيين عام 2050 سيكونون من «الملونين»، ويتحول البيض في أميركا إلى أقلية!!
هذا - في تقديري - ما يفسر قرارات ترمب الخشنة تجاه اللاجئين بصفة عامة والمسلمين بصفة خاصة، سواء التي تتدثر برداء اقتصادي أو سياسي، لكنه في الواقع ليست سوى نوع من «الفزع الثقافي العنصري» والخشية من ذوبان هوية استمرت 4 قرون، خاصة في ظل معدلات انتشار الإسلام بين الملونين الأميركيين والخشية من تحول الأغلبية البروتستانتية البيضاء في الدولة، التي تمتلك أقوى قوة عسكرية على وجه الأرض، إلى أقلية دينية وعرقية في مجتمع غالبيته من الملونين المسلمين!
أما لماذا يتم استهداف المسلمين دون سواهم أو بشكل أكبر من غيرهم، فهذا موضوع آخر كبير.

اقرأ ايضا