الخميس 15 جمادى الآخرة / 28 يناير 2021
 / 
02:44 ص بتوقيت الدوحة

هذه بضاعتنا

إبراهيم السادة

التقيت ذات يوم بأحد الأصدقاء، وكان متعدد المواهب، حيث كان إماماً وخطيباً ومدرباً في التنمية البشرية، إضافة إلى عمله الرسمي، والشخص متعدد المواهب «هو في الواقع شخص يحاول البحث عن نفسه»، على حد تعبير الناقد والمؤلف الأيرلندي الأصل «جورج برنارد شو».
 سألت الرجل عما إذا تطرق أحد علمائنا أو دعاتنا إلى العادات السبع للناس الأكثر فعالية لـ «ستيفن كوفي»، فقال: نعم، وما لبث أن أخرج لي من سيارته شريط «كاسيت» وقد كُتب عليه «العادات السبع في القرآن الكريم» لأحد الدعاة المشهورين، ثم سألني: «لماذا نحن دائماً مقلدون ولسنا مبادرين؟»، قلت: ماذا تعني؟، قال: «أعني لماذا تقودنا ردة الفعل بدلاً من أن نصنع الحدث؟»... أين الشيخ هذا من تلك العلوم قبل أن يتحدث بها «ستيفن كوفي»؟، انتهى كلامه....
قد يبدو ذلك تساؤلاً مشروعاً، فلا شك أن الغرب والشرق قد سبقونا في علوم الإدارة وفنونها، وأننا بوصفنا مسلمين قد قصرنا في هذا الجانب، ولكنني في المقابل أعتقد بأن حضارتنا الإسلامية لم تكن لتصل إلى ما وصلت إليه دون تلك المفاهيم والعلوم. إن علوم الإدارة مثلها مثل باقي العلوم قد تطورت عبر الزمن بسبب الخبرة المتراكمة والتجربة والبحث العلمي، فأصبحنا نستورد تلك العلوم التي كنا نصدرها في الماضي، وأهملنا تطويرها في الحاضر، عدا أن تكون مواعظ تفتقر إلى منهجٍ عملي يجسدها على أرضِ الواقع، فكانت النتيجة أننا كلما سمعنا عن شيء جديد من هذه العلوم هرعنا كردة فعلٍ نبحث في إرثنا المنسي عن شواهد تثبت أن لنا يد السبق فيه، ولا ضير في ذلك، إلا أننا بهذا الفعل نقيم الحجة على أنفسنا وكأننا نقول للعالم، الذي يشهد تخلّفنا عن الركب، بأننا نمتلك إرثاً لا نستحقه. 
أوليس حري بنا عندما نسمع قول الرسول الكريم في الحديث الذي رواه مسلم «بادروا بالأعمال الصالحة»، أن يتبادر إلى ذهن كل واحد منا أن العمل الصالح هو كل عمل يُصْلِح لنا دنيانا وآخرتنا، وكلمة «بادروا» هنا واضحة المعنى شاملة الدلالة، لذلك فهي في انتظار أن يترجمها الطبيب والمهندس والمدير والموظف والطيار...إلخ، كل فيما يخصه إلى منهج قابل للتطبيق، لا أن يقف الجميع منتظراً من علماء الشريعة والدعاة أن يبينوا له كيف يدير عمله، فخطب العلماء تحدد المفاهيم العامة ومقاصد الشريعة، هم ليسوا خبراء في كل شيء حتى يترجموا ذلك إلى علم إدارة وعلم فلك وعلم هندسة.. إلخ. 
لذا نحن بحاجة إلى اهتمام جميع العلماء، وليس علماء الشريعة فقط، بما جاء به الحبيب المصطفى الذي قال عنه رب العزة والجلال: «لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى». كما يحدوني الأمل بأن تُنْشأ مراكز متخصصة في علوم السنة النبوية وأن لا تكون على الطراز التقليدي، الذي تغلب على برامجه نزعة ردود الأفعال تجاه ما يطرح من الطرف الآخر، بل تكون على أسسٍ حديثة تجمع بين علماء الشريعة بمختلف تخصصاتهم ومشاربهم، و علماء المجالات العلمية الأخرى كالفيزياء والفلك والطب والهندسة، ولنكن مبادرين بالأطروحات والنظريات والاكتشافات حتى لو جانبنا الصواب في بعضها، فهذه طبيعة الأشياء، ولكن غير الطبيعي أن يكون لدينا هذا الإرث العظيم العريق من المؤلفات والرسائل ونكون في آخر الركب، في حين أننا نؤمن كل الإيمان بقوله تعالى: «مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ».

اقرأ ايضا

انطلاقة جديدة

13 أكتوبر 2020

محو الجهل أولى

20 أكتوبر 2020

لمن الكأس؟

26 أكتوبر 2020